الخميس 12 مارس 2026
19°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
بين الحرب على إيران وأوهام إعادة تشكيل الشرق الأوسط (2-2)
play icon
كل الآراء

بين الحرب على إيران وأوهام إعادة تشكيل الشرق الأوسط (2-2)

Time
الأربعاء 11 مارس 2026
بسام فهد ثنيان الغانم

كلما اندلعت حرب جديدة في الشرق الأوسط عاد الحديث عن "شرق أوسط جديد"، لكن التاريخ يقول إن هذه المنطقة لا يعاد تشكيلها بسهولة.

غير أن التطورات الأخيرة تطرح سؤالاً جوهرياً لا يمكن تجاهله، فبينما أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن استهداف دول الخليج سيتوقف، شهدت الايام الماضية إطلاق عشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة على الكويت وعدد من دول الخليج، ما أدى إلى سقوط ضحايا، وتدمير مبانٍ مدنية.

هذا التناقض الصارخ بين الخطاب السياسي والواقع العسكري يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة مراكز القرار داخل إيران، في هذه المرحلة الحساسة، وهل لا تزال السلطة موحدة، أم أن البلاد تشهد تعدداً في مراكز القرار بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية، خصوصاً مع صعود دور الحرس الثوري بقيادة أحمد وحيدي خلال الاضطرابات، التي أعقبت مقتل عدد من القيادات العليا، كما أن بنية الحرس الثوري نفسها تقوم على نظام قيادة لامركزية، إذ تنتشر قواته عبر نحو 31 قيادة إقليمية داخل إيران، صُممت أساساً لضمان استمرار العمليات حتى في حال تعطّل القيادة المركزية، أو مقتل بعض القادة.

وهذا النمط من التنظيم يسمح للوحدات الميدانية بالتحرك بسرعة في مواجهة ما تعتبره تهديداً، وهو ما قد يفسر أحياناً استمرار العمليات العسكرية، رغم صدور تصريحات سياسية مهدئة، يقابلها تصعيد عسكري على الأرض.

وفي الوقت نفسه، بدأت آثار هذا التصعيد تظهر بوضوح في الاقتصاد العالمي، إذ ارتفعت أسعار النفط، واقتربت من حدود المئة دولار للبرميل، مع تصاعد المخاوف من تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يضع استقرار الخليج في قلب معادلة الأمن الاقتصادي العالمي، لأن أي اضطراب كبير في هذه المنطقة قد يقود إلى موجة ارتفاعات حادة في أسعار الطاقة، ويؤثر في الاقتصاد الدولي بأسره.

وفي ظل هذه المخاوف تشير تقديرات أسواق الطاقة إلى ثلاثة مسارات محتملة خلال الأسابيع المقبلة: فإما احتواء التوتر وعودة الأسعار إلى نطاق قريب من مئة دولار، أو استمرار التصعيد المحدود بما يدفع النفط إلى مستويات تتراوح بين 110 و130 دولاراً للبرميل، أو حدوث اضطراب كبير في الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو السيناريو الأخطر الذي قد يدفع الأسعار إلى ما بين 150 و200 دولار للبرميل، ويُدخل الاقتصاد العالمي في صدمة طاقة جديدة.

إن تكرار هذا النوع من الاعتداءات يفرض على دول الخليج إعادة تقييم مقاربتها القائمة على ضبط النفس، والدعوة إلى الحلول الديبلوماسية، فهي تظل الخيار الأفضل، ما دامت تحمي الأمن والاستقرار، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن حق الدول المشروع في الدفاع عن أراضيها وشعوبها، ولذلك فإن المرحلة المقبلة قد تتطلب موقفاً خليجياً أكثر حزماً يقوم على تعزيز الدفاعات المشتركة، وتفعيل منظومات الردع الجماعي، وتطوير التنسيق الاستخباراتي والعسكري، لتحديد منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، التي تستهدف المدن والمنشآت الحيوية، والعمل على تحييدها بدقة، سواء عبر الطيران الخليجي، أو عبر الاستفادة من التقنيات المتقدمة في مجال الطائرات غير المأهولة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، التي طورتها تركيا في هذا المجال.

كما أن استمرار استهداف المدن الخليجية يفتح باب التفكير في نقل الضغط إلى داخل إيران نفسها، فالدولة الإيرانية ليست كتلة متجانسة، بل تضم قوميات متعددة عانت لعقود من سياسات النظام، مثل العرب في الأحواز، والبلوش في جنوب شرق البلاد، والأكراد في غربها، إضافة إلى قوى سياسية معارضة في الداخل والخارج، وهو ما يجعل دعم المسارات السياسية لتلك المكونات، التي تسعى إلى التحرر من النظام الذي جثم على صدور شعوب إيران أكثر من أربعة عقود، خياراً قد يفرض نفسه، إذا استمر من يدير المشهد الإيراني في هذا التصعيد، بحيث تصبح كلفة استهداف دول الخليج أعلى بكثير على من يتخذ قرار الحرب في طهران.

وهنا تبرز أهمية العودة إلى فهم أعمق للتاريخ والجغرافيا السياسية للمنطقة، لأن كثيراً من الأزمات التي نشهدها اليوم ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لمسارات، تاريخية وفكرية، تشكلت عبر عقود طويلة.

وذلك يتطلب قراءةً أعمق لتاريخ المنطقة وتوازناتها، ومن هنا جاء كتابنا الجديد "إيران بين الخطاب المذهبي والستراتيجية الجيوسياسية في الشرق الأوسط"، ضمن "سلسلة كتب الجيب - أفكار تُقرأ في كل مكان"، ويهدف هذا الكتاب إلى تقديم قراءة مبسطة وشاملة لتاريخ إيران السياسي، ودورها الإقليمي، من خلال فصول قصيرة تربط بين الجغرافيا والتاريخ والسياسة المعاصرة.

فالسياسة الدولية لا تُقرأ بظاهر الأحداث فقط، بل بفهم عميق للجغرافيا والتاريخ والمصالح، وربما يكون هذا الفهم هو الخطوة الأولى نحو قراءة أكثر واقعية لما يجري حولنا، بعيداً عن المبالغات والأوهام التي كثيراً ما تصاحب الحروب الكبرى.

آخر الأخبار