لا تزال قضية الغارمين تشغل الكويتيين، وهي واحدة من أعقد المشكلات التي تسبب بها عدم وجود آلية قانونية صريحة تنصف هؤلاء الذين أوقعتهم الحاجة تحت رحمة بعض المرابين، الذين لديهم خبرة طويلة في الاحتيال على الناس، ليس طلبا لفوائد عالية فقط، بل أيضا من أجل إحكام السيطرة عليهم، عبر عقود وصكوك، وسندات دين، وشيكات من دون رصيد، ودفعهم إلى اليأس.
لذا الإنصاف بات ضرورة، ولهذا فإن المنصة التي ينوي إطلاقها معالي وزير العدل، لترتيب تسديد المبالغ المدين بها من صدر عليه "ضبط وإحضار"، إضافة إلى نظام المساعدات المركزي الذي أطلقته وزارة الشؤون الاجتماعية العام الماضي، فإنهما يساعدان على حل تلك المعضلة، وعلى هذا نقول إلى معالي الوزير المستشار ناصر السميط، شكراً على هذه الخطوة الكبيرة.
لأن ذلك يساعد على وضع التبرعات في خانتها الصحيحة، لا سيما بعد اكتشاف وزارة العدل أن هناك متبرعين لم تسدد المبالغ المتبرع بها اليهم، إنما ذهب جزء منها إلى غير موضعها.
من نافلة القول إن القاعدة القانونية والشرعية تُحمّل المسؤولية في هذا الشأن إلى من فرّط بماله، لأنه أعطى من لا يستطيع السداد، استنادا إلى القاعدة "المفرط أولى بالخسارة"، لكن للأسف إن هذا المبدأ لم يعمل به في الكويت.
في العالم أجمع يُعمل بهذه القاعدة البديهية التي سبق أن تحدثنا عنها مراراً، لأن الديون هي في الأصل معاملات تجارية، وبالتالي من غير الجائز، وفقاً لروح القانون، أن تعامل كما يتعامل مع أدوات التزوير والاحتيال، بل إن الثانية تطبق عليها قاعدة ثابتة، وهي "القانون لا يحمي المفرّطين في حقوقهم"، لذا ليس هناك دولة تتحول إلى محصل لديون المفرطين غير الكويت، وهذا مبدأ معيب قانونياً وشرعياً.
أيضا، في الدولة هناك صندوق تبرعات، هو "بيت الزكاة" إضافة إلى الجمعيات الخيرية، والمبادىء التي تقوم عليها معروفة، ومنها المبدأ السادس في قانون "بيت الزكاة"، لأن "الغارمين، هم الذين تحملوا الديون وتعذّر عليهم أداؤها"، ولهذا من الأولى أن تكون هناك منصة لبيت الزكاة، كما هي الحال في "الشؤون" والعدل، من أجل رفع الضيم عن هؤلاء، كما هي الحال كغيرهم من المحتاجين، وبلا أي "واسطات".
معالي وزير العدل
سبق وكتبنا، عن أن القانون "الضبط والإحضار" والحبس على مبالغ بسيطة، غير موجود إلا في الكويت، كما أن الذي عليه إثبات عدم المقدرة على السداد هو المفرط، بينما الأساس لدينا أن الذي عليه إثبات ذلك الغارم، فهو معسر، ولو كانت لديه الملأة لما كان استدان، كما أنه لا يجوز معاملة المعسر كالمقترض من البنك، فالبنوك لا تُقرض إلا برهون عينية، ولديها أدوات قانونية تؤهلها لاسترداد مالها، وليست هناك شيكات أو سندات دين مجرّمة، كما هي الحال مع المرابين والدائنين.
من هنا فإن المطلوب الخروج من هذه الدوامة، وفي أقرب وقت ممكن، لأن عدد الغارمين في الكويت وصل إلى رقم كبير، والكثير ممن يقبعون في السجن، لقاء مبالغ بسيطة، أو شيكات أو أذون دين محكمة، إذ لا يمكن حجز حرية مواطن على مبلغ الف دينار، أو أقل، بينما هناك جهات تتسلم التبرعات، ولا يعرف مصيرها.
قديما، كانت القاعدة السائدة في الكويت، في زمن الآباء والأجداد، هي "من عسرك إلى يسرك"، ولهذا كانت المعاملات بين الكويتيين أسهل، وكان هناك تعاضد، لأنه كانت قيم التراحم الاجتماعي موجودة بين الناس، على العكس مما يجري اليوم.
أخيراً، شكراً معالي وزير العدل على وقف الضبط والإحضار، ولعله توقف ابدي، وليس فقط في زمن الحروب.