في زمنِ ثقافةِ قَرصَنَةِ الحقوق، وكَتمِ الأنفاسِ، وبَخسِ النّاسِ آمالَها، وغَلغَلةِ مفاهيمَ باليةٍ في الرّضوخِ، يتمسّكُ بعضُ مجتمعِنا المتَغَطرسُ، وبأكثرِ ذُكورِهِ "الرجوليّين"، بمواقفَ ممقوتةٍ تنمُّ عن فوقيّةٍ غيرِ مبرَّرة، معلنةً عن دونيّةِ المرأة، والحقّ بنخاستِها، وأنّ للرَّجُلِ اليدَ العليا في تحريكِ حياتِها، ليس لأنها ضعيفةُ البُنيةِ فحَسب، بل، ربّما، ليُثبتَ هو رجولتَهُ بنظرِ نفسِه.
هذا الموقفُ المسعورُ، بل المشحونُ بالتوحّشِ العنيف، والذي يرقى الى السّلوكِ المَرَضيّ، لا يُدرَجُ إلّا في إطارِ القهر، والتّمييز، والإكراهِ، والعدوانيّة. ويقودُ، حتماً، الى زجِّ المجتمعِ في انحطاطٍ سافرٍ، بتَجَنّيهِ على كرامةِ الإنسان، وبتَلطيخِهِ ضميرَ الإنسانيّةِ بالعار، ما يدعو الى التصدّي له بحَزمٍ لازم.
إنّ الدّعوةَ الى وجوبِ إقرارِ قانونٍ يفرضُ المساواةَ بين الرَّجُلِ والمرأة، هو، بِحدِّ ذاتِهِ، في زمانِنا، وفي بعض مجتمعِنا، شكلٌ من أشكالِ التّحقير، وأسوأُ دليلٍ على التّمييزِ الفاقع بين الجنسَين. وبقَدرِ ما تكونُ الدّعوةُ جيّدةً، إذ أَتَت، ولو متأخّرةً، وهذا خيرٌ من ألّا تأتيَ أبدًا، غيرَ أنّ الادّعاءَ الذي سادَ في دعواتِ مَنْ يصَنِّفون أنفسَهم إصلاحيّين مُنفَتِحين، وهم يثمّنون هذا الإنجازَ غيرَ المسبوق، وكأنّهُ فَتحٌ لم يُشهَدْ له مَثيل، لا يمكنُ إلّا أن يوصفَ بالخِزيِ، كونَه يُعلنُ، صراحةً، عن مدى تَخَلّفِ بعض مجتمعنا، ورجعيّتِه، وجاهليّتِه، وتَمَوضعِه الانحطاطيّ، في ما خصَّ قضيةَ المرأةِ التي هي، حُكماً، النصفُ الإنسانيّ الذي يتساوى، مع الرَّجلِ، في الحقوقِ والواجبات، والقيمةِ الإنسانية.
كان يجدرُ بهؤلاءِ "الطليعيّين" أن يتذكّروا، من زمان، تَسييبَ المرأةِ لحقوقِها، وتَنويمَ قضيتِها في كهوفِ التعفّنِ، والوقوفَ في وجهِ استمرارِ إدراجِ بعض مجتمعنا على لائحةِ إرهابِ المرأة.
لكنّ إيقاظَهم هذه المسألةِ، اليوم، لا يمكنُ إلّا أن نعتبرَه تَوَسّلاً مشبوهاً، وعقيماً، واستغلالاً رخيصاً لاستدرارِ عطفِ النّساء، واستمالتِهنّ في تقريظِ الدّاعين، ومصالحهم.
أمّا إذا توغّلنا في قناعاتِ هؤلاءِ الانفتاحيّين، أو أكثرِهم، لنكونَ مُنصِفين، فإنّنا نجدُ أنّ الخلفيّةَ الذّكوريّةَ الرجعيّة لا تزالُ هي هي، وأنّ الحديثَ عن مكتسباتِ المرأةِ هو ضربٌ من ضروبِ التّكاذبِ والمخاتلة، إذِ القَولُ تناقضُهُ الممارسة.
أمّا صيانةُ حقِّ المرأةِ، لا سيّما في الترشّحِ للوصولِ الى المنتديات التّشريعيّة، والمسؤوليّات في السّلطة، فالتّنازلُ عن ذلك جريمةٌ، وغدرٌ، وظلم.
فالمرأةُ هي القُطبَةُ العِلاجيّةُ النّاجعةُ من الحالِ المأزومةِ التي أوصلَت بعض مجتمعنا الى التّلاشي، وهي وضعٌ صَدمَوِيٌّ يتحدّى الرّكود، والتّدَهورَ، والجُنوحَ الى اليأس. فالمرأةُ هي المُتَحَدِّيةُ التي تتطاولُ على النّكبة، واليَدُ الجريئةُ التي تنهضُ الى الإصلاح، فِعلًا، وتَرتِقُ مِزقَ المجتمعِ المُتَشَتِّت، لأنها ترفضُ أن يكونَ هذا المجتمع، كما حوَّلَه بعضُ مسؤوليه، تمثالاً وثنياً خاوياً، أو صَنماً يعيشُ صقيعَ الجُمود، فهي تراهُ حيثيّةً لها نصيبٌ من حقيقةِ الحياة.
المرأةُ، في حياة الجماعة، جبّارٌ لا يُغلَب، وعَينٌ ترى أنْ لا ظلامَ في الدّنيا، إنّما الأنظارُ الكليلةُ، وما أكثرَها في بعض مجتمعاتِنا، هي التي تعجزُ عن رؤيةِ النّورِ. ولمّا كانت المرأةُ لا ترضى إلّا بالوجودَ في الخطوطِ الأماميّة، فهي، بذلك، دائمةُ الطّموحِ الى الأفضلِ، والأرقى، تُفَضِّلُ طبيعةَ النّارِ على طبيعةِ الطّين.
من هنا، فإنّ حَشدَ المرأةِ لطاقاتِها، وهي المُتَّقدةُ الحسِّ الإنسانيّ، يمكنُ أن تُعقَدَ عليها الآمالُ العِراضُ لتحقيقِ ما عجزَ عن إنجازِهِ أَنصافُ الرِّجالِ، في بعض بُلدانِنا، في نهرِ أيّامِهم.
لسنا، في هذا المجال، نحوّلُ المرأةَ أسطوريّةً تجمعُ في شخصِها مجموعةَ مُبدِعين، لكنّنا نراها متمكِّنةً من مجاراةِ الكِبار، ومُساجلتِهم، وقادرة على إعلانِ انشقاقها عن التَفَرّجِ، ورفضِها القَبول بالتّهميش، لتكونَ في صُلبِ المشهدِ الاجتماعيّ، لكنْ دونِ لَقَب. لقد اختبرَتِ الألمَ الذي غاصَ في جسدِ المجتمع، وتحوَّلَ جرحًا نازفًا دائمَ اللَّهيب، لكنّها لم تنزعْ الى الصَّمتِ، أو الى الشّكوى، بل جعلَت هذا الجرحَ قضيَّتَها، لأنها آمنَت بأنّ الأملَ لا يُرتَجى إلّا من رَحِمِ القهر. إنّ نضالَ المرأةِ يُطَمئِنُ الى أنّ المعركةَ المجتمعيّة لن تنتهيَ بهزيمة، وهي لن تكون، أبدًا، بالنسبةِ لمَنْ هم في وزنِ المرأةِ العربيّة، جرأةً، وقلباً، واندفاعاً، ورؤية.
إنّ بعضَ مجتمعنا الكئيب الذي لُحِّنَت فيه، وللإسف، إيقاعاتُ فقرٍ، وهجرةٍ، وإحباط، ليصبحَ حزنُهُ كبيراً، لن تعودَ إليهِ طيبةُ الخيرِ والعدالة، إلّا إذا استلقى خَدُّهُ على كَتِفِ المرأة، وهذه ليسَت مجازَفَة، بقَدرِ ما هي أسبقيّةٌ في خدمةِ مجتمعاتنا لِتَنهَض.
كاتب، أستاذ جامعي لبناني