مرايـا الروح
نولد بقلوبٍ مفتوحة، لكن بوعيٍ مؤجَّل. نمضي في الحياة كما لو أن الفهم ترفٌ مؤجل، وكأن معرفة الذات شأنٌ يمكن تأخيره إلى إشعارٍ آخر. نعيش، نُجامل، نُجرب، نُخطئ، ثم نمضي… إلى أن توقظنا الخسارة بعنف، أو تهزّنا صدمة، أو تضعنا تجربة قاسية أمام مرآة لا ترحم.
لسنا ضحايا الظروف بقدر ما نحن ضحايا تأجيل الوعي. نؤجل فهم حدودنا، فنُرهق أنفسنا بما لا يشبهنا. نؤجل الإصغاء لحدسنا، فنمنح الثقة حيث لا تُستحق. نؤجل الاعتراف بحاجاتنا، فنُقنع أنفسنا بأن الصمت قوة، وأن التحمل فضيلة مطلقة.
حتى إذا تكدّست الخيبات، قلنا: لماذا لم نفهم منذ البداية؟
الوعي لا يأتي فجأة، بل يُستدعى قسراً. غالباً لا نبدأ بالفهم الحقيقي إلا بعد أن ندفع ثمن الجهل الموقت: علاقة استنزفتنا، قرار خذلنا، أو حلمٍ لم يكن منذ البداية لنا. التجربة القاسية لا تصنع الوعي، لكنها توقظه، كأن الحياة تقول لنا: آن أوان الانتباه.
المفارقة المؤلمة أن الإنسان يعرف كثيراً، لكنه لا يعرف نفسه. يقرأ، يسمع، ينصح غيره، ويحلل أخطاء الآخرين بدقة، بينما يؤجل المواجهة الأصعب: مواجهة ذاته. فالوعي ليس معرفة نظرية، بل نبل وشرف الاعتراف بالحقيقة.
الاعتراف بأن بعض ما حدث كان نتيجة صمتنا، وبعض الخسارات كانت ثمرة تساهلنا، وبعض الألم كان يمكن اختصاره لو أنصتنا مبكراً.
نحب أن نحمّل الظروف مسؤولية كل شيء، لأنها عذرٌ مريح. لكن الحقيقة أن الظروف تكشفنا أكثر مما تصنعنا. تكشف ما أجّلناه طويلًا: حدودنا، احتياجاتنا، خطوطنا الحمراء، وقدرتنا الحقيقية على الاختيار.
وحين يأتي الوعي متأخراً، لا يكون بلا ثمن. يأتي مثقلاً بحسرة الفوات، مشوباً بشجنٍ خافت، لكنه، رغم قسوته، صادق. يعلّمنا أن النضج لا يكمن في كثرة التجارب، بل في نفاذ الفهم لما تتركه فينا. وأن أقسى الخسارات ليست ما نفقده، بل السنوات التي عشناها دون وعي.
الاستيقاظ المتأخر ليس فشلاً، لكنه إنذار. إنذار بأن ما تبقّى من العمر لا يحتمل التأجيل ذاته. بأن علينا أن نعيش بوعيٍ حاضر، لا بتحسّرٍ متأخر. أن نختار بوضوح، ونحب بحدود، ونثق بعينٍ مفتوحة لا مغمضة.
فليس الوجع هو ما يؤلمنا حقاً، بل اكتشافنا المتأخر أننا كنا نستطيع أن نفهم أبكر، لو لم نؤجل الوعي.
يقال: ليس النضج أن نعيش تجارب كثيرة، بل أن نفهم أنفسنا قبل أن تفسرنا الخسارات.
كاتبة كويتية