الأربعاء 18 مارس 2026
19°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
أم عبدالله واليتيم
play icon
كل الآراء

أم عبدالله واليتيم

Time
الثلاثاء 17 مارس 2026
محمد الفوزان
قصص إسلامية

رمضان شهر التنافس في الخيرات، والتزود من الطاعات، وفيه تعظم الأجور، وترفع الدرجات، والصدقة من أهم العبادات التي ينبغي على المسلم أن يكون له منها نصيب في هذا الشهر، وهي في رمضان أفضل منها في غيره، فقد أخرج الترمذي من حديث أنس (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "أفضل الصدقة صدقة في رمضان".

وفي الصحيحين من حديث ابن عباس (رضي الله عنهما): "كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة.

فإكثار النبي من الصدقة في هذا الشهر دليل واضح على أنها فيه أفضل منها في غيره.

قالت إحداهن: "كنت ساكنة في بيت بإحدى الضواحي، وكان لدي جيران لهم ملحق على باب الشارع، ويسكن بهذا الملحق ولد عمره ثماني سنوات في الصف الثالث الابتدائي، ويدرس في المدرسة التي يدرس فيها أبنائي، وهو يتيم ويعيش مع عمه الغني القاسي البخيل، الذي كان يهمله، ولا يقوم على احتياجاته".

أضافت أم عبدالله: "رأيته مرّة يغسل السيارات فرحمته، وأمسكت يده قلت له: يا وليدي تغسل السيارات وأنت ما زلت صغيراً؟

قال: لكي أشتري أقلام ودفاتر للمدرسة، فعمي لا يعطيني لأشتري حاجياتي المدرسية.

فرحمته، وقلت له: اسمع يا وليدي هذا بيتي، وأنا كل يوم سأرسل لك غداءك وعشاءك، وأشتري لك كل حاجياتك المدرسية، وسأعتبرك واحداً من أبنائي، وإذا احتجت أي شيء فأبشر به، وكنت أتفقده وأحرص عليه، وأوصيه دائماً بالصلاة والحرص على الدراسة، وعلى الصحبة الصالحة الطيبة، ومرت كم سنة، وأنا أعدّه واحداً من أبنائي، بعد مدة اشترينا بيتاً جديداً كبيراً في ضاحية أخرى بعيدة، وقررنا الانتقال إليه، ورغم فرحي بالبيت الجديد الكبير الجميل، إلاّ أن هناك ما يضايقني ويحزنني، لأنني سأبتعد عن هذا الولد اليتيم الذي اتخذته ولداً لي، فناديته وأخبرته بقرب انتقالنا من الحي، وأعطيته رقم التلفون، وقلت له: أي شيء تحتاجه يا خالد دق علي، انا مثل أمّك، فنزلت دموعه من الحزن، وودعته ومشيت وقلبي يتقطع عليه.

وتمضي الأيام والسنون وقلبي مع ذاك الولد، وكل ما ذكرته قمت آخر الليل أدعو له: يا رب ارحم حال خالد والطف به، واحسن كفله واحفظه من الشر.

كبرت في السنّ وكبر أبنائي الثلاثة وبناتي، ومن ثم زوّجتهم، وفي يوم من الايام ظهر عليّ التعب واشتد بي المرض، فذهبت للمستشفى، قالوا لي: عندك التهاب في الصدر، فجلست عندهم كم يوم.

دخل عليّ الطبيب الاستشاري الصدري، ما شاء الله تبارك الرحمن ذاك الدكتور الخلوق الوسيم البشوش، سلّم عليَّ، وأخذ يسأل عن حالتي الصحية: كيف حالك يا خالة؟ بشري عساك احسن؟

قلت: الحمد لله.

فتح ملفي وقرأ اسمي، ثم تغيرت ملامح وجهه، وقال: فلانه بنت فلان الفلاني؟

قلت: نعم.

قال: أنت فلانة؟

قلت: نعم.

قال: انت أم عبدالله؟

قلت: نعم.

عرفني وانا ما عرفته! وتغير صوته، ثم اجهش في البكاء، وقال: ألم تعرفيني أمي؟

قلت: لا والله!

قال: انا خالد اليتيم الذي رعيتيه، واحتضنتيه برحمتك، وحنانك وشفقتك، ومالك، ونصائحك، لقد كبرت ودرست، وتخرجت، وأنا الحين دكتور استشاري، بفضل الله، ثم بفضل رعايتك وكرمك، وتوجيهاتك لي.

فاقشعر بدني، وأخذ قلبي يرتجف كأنّي في حلم، قلت: انت خالد؟

فأخذ يقبل رأسي، ويبكي وأنا أبكي، وقلت: الحمد لله، يا وليدي أن الله تكفل بك، وأوصلك الى أعلى المراتب، ما شاء الله تبارك الله.

والله يا ولدي كنت دائماً على بالي، وإذا ذكرتك دمعت عيني ودعيت لك، والحمد لله إني شفتك بأحسن حال.

قال: هذا رقمي يا أمي، واي شيء تريدينه مني آمري وابشري، وأنا والدكاترة والمستشفى كلنا تحت أمرك".

هذه صنائع المعروف لا ينتهي بريقها، وسيظهر نورها، ولو طال الزمان.

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "أحب الناس إلى الله عز وجل أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً (في مسجد المدينة).

$ إمام وخطيب

آخر الأخبار