في السنوات الأخيرة ظهرت ظواهر سلوكية جديدة، يمكن وصفها بـ"التعفن السلوكي"، وهي أنماط من التصرفات التي تبدأ بالانحراف التدريجي عن السلوكيات الطبيعية، وتحورها، أو إعادة تشكيلها كعادات افتراضية تحت ستار التحول الرقمي، ما يؤدي إلى نمط في التفاعل الاجتماعي، الذي يهدد الطبيعة الإنسانية، والخروج عن النمط التقليدي إلى نمط غير مألوف، والتي لطالما حذر منها العلماء الإسلام على مستوى العهدين، القديم والحديث، لكن تحت مسمى الحياة البسيطة، بمقارنتها بالتطورات اليوم.
فمن تلك الظواهر السلوكية والبيولوجية "تعفن الدماغ" و"تعفن السرير"، نتيجة الاستهلاك المفرط للمقاطع التافهة والقصيرة والعاب الفيديو، التي أدت إلى العزلة الاجتماعية في التفاعل الطبيعي، إلى فقدان الحس بالمسؤولية الاجتماعية، والانحدار الفكري القيمي، وتراجع اللياقة العقلية للفرد، ليتوسع ذلك كله ويصبح جزءاً من الثقافة اليومية.
آثار هذه الظواهر تتجلى في ضعف الروابط الإنسانية، خصوصا الأسرية، وتراجع قيمة التعاون، أو التكافل الأسري، وزيادة النزعة الفردية التي تجعل الإنسان أكثر عرضة للاغتراب، النفسي والاجتماعي، إلى جانب تعزيز المادية الشرسة.
كما أن التعفن السلوكي ينعكس على البيئة، الاجتماعية والصحة النفسية للأفراد، إذ يقود إلى أنماط استهلاك خارجه عن المستوى الطبيعي، وإلى تجاهل البعد الأخلاقي في التعامل مع المعطيات في التفاعلات والمعاملات، إلى جانب ولادة ظواهر نفسية وسلوكية جديدة، منها "فوبيا الدين"، ما يؤدي إلى اندثار القيم الدينية، التي هي أساس النهضة، والاستمرارية، والتنمية بكل صورها.
أما مستقبلها البشري، فإن استمرار هذه الظواهر دون مواجهة سيؤدي إلى مجتمعات أكثر هشاشة، وعرضة للفتك والانحلال الاخلاقي، إذ يصبح الإنسان مجرد آلة مستهلكة، فاقداً لجوهره الإنساني.
ومع ذلك، فإن الوعي المتزايد بخطورة هذه التحولات يفتح الباب أمام إمكانية إعادة التوازن، وتعزيز الإيجابية للتكنولوجيا، بشكل أكبر من السلبية، وتحدياتها المرهقة.
التحديات تكمن في القوى المستهدفة لمواجهة هذا التعفن منها: الإعلام الموجه والهادف، غرس ثقافة الاستهلاك، ادراج المناهج التعليمية في مواجهة التكنولوجيا، والحفاظ على الهوية والقيم، بما يكفل الأمن الاجتماعي والسيبراني.
ولمواجهة هذه التحديات، لا بد من سبل عملية تقوم على تعزيز مفهوم "الشراكة المجتمعية"، أي إدراك المجتمع للتحديات التي خرجت عن سيطرة الأسر، إلا من رحم ربي، لكن في العموم الأسرة أصبحت اليوم كيانا ضعيفا أمام التحديات، ووجوب إيجاد دور الكيان الجماعي الذي يتشارك بالمسؤولية.
هذا يتطلب تعاون المؤسسات نحو رسم الستراتيجيات الهادفة نحو حماية الفرد، من ظاهرة التعفن السلوكي، ضمن جهود وزارة التربية والتعليم العالي، والاعلام، وهيئة الشباب، ولجان حماية الطفل والمرأة والأسرة، من حيث تأسيس مناهج وسن القوانين الصارمة في حماية سلوك الأفراد.
هذا إلى جانب تشجيع المبادرات التي تعيد للإنسان دوره الفعال في خدمة المجتمع، كما أن الاستثمار من خلال الاعلام الهادف يعد استثماراً في الثقافة والوعي النقدي، وسلاحاً أساسياً ضد التعفن السلوكي، لأنه يزرع في الفرد القدرة على التمييز بين السلوك الصحي والسلوك غير المألوف والضار.
في النهاية، يظل الحفاظ على الطبيعة البشرية مسؤولية مجتمعية، تتطلب تضافر الجهود بين الأفراد والمؤسسات والدولة، تحت ستار الشراكة المجتمعية، لضمان أن يبقى الإنسان إنساناً، لا مجرد مستهلك، أو كائن رقمي فاقد للجوهر.
كاتبة كويتية