حين هُزمت طهران في الحرب العراقية – الإيرانية قال الخميني: "إنني أتجرع السمّ حين أوقع هذا القرار"، يومها لم يستغرب أحد في المنطقة ذلك، لأننا نعرف أن الثقافة الفارسية تقوم على الغطرسة الإمبراطورية، او بالأحرى العناد، رغم أن الشعار الإيراني طوال تلك الحرب كان شعار "الحرب الحرب لإزالة الفتنة من العالم"، لكن جرت الرياح الواقعية عكسه.
في المقابل كان العالم يستغرب ذلك، ولم يأخذ بما كان يتكلم عنه قادة دول "مجلس التعاون"، الذين يعرفون الطبيعة الثقافية للفرس، لذا اليوم ثمة الكثير مما يقال في الإعلام الغربي، وبعض العربي، عن أن النظام الجريح سيكون أشد غطرسة من السابق، فيما الحقيقة أن العناد الفارسي دائما ينتهي إلى هزيمة، ويعترف قادة الدولة بها بعد حين، لكنهم يجعلون منها، خصوصاً مع هذا النظام، "نصراً إلهياً".
هذه الثقافة انتقلت إلى أذرع طهران في الإقليم، ففي العام 2006، أعلن حسن نصرالله، رغم اعترافه بأنه لو كان يعلم بما وصلت اليه الحرب في ذلك العام لما كان اختطف الجنديين الإسرائيليين، ورغم ذلك اعتبر أنه انتصر، وأن النصر كان إلهياً.
كذلك في غزة، إذ بعد تدمير القطاع، وموت نحو 75 الفاً من الأبرياء، فإن قادة "حماس" اعتبروا أنهم منتصرون، لأن ثقافة الوهم بالانتصار تلازم المهزوم، لأنه يعبّر عن أمنيات لا تستند إلى واقع.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، رأينا الكثير مما يتولد في مواقع الكترونية، عن إغراق السفن الحربية وحاملات الطائرات الأميركية، فيما الحقيقة أن الولايات المتحدة أغرقت، ودمرت كامل الأسطول العسكري الإيراني، وقضت الغارات على معظم قادة النظام، وأصبحت طهران أقرب إلى غزة ولبنان في الدمار الحاصل، لكن رغم ذلك لا نزال نسمع الشعارات الإيرانية عن هزيمة الولايات المتحدة!
إن كل هذا نتيجة واقعية لمهزوم يحاول أن يتخفى خلف شعارات، وهي بالطبع ليست موجهة إلى الخارج، بل إلى الداخل الإيراني، حتى يُظهر من تبقى من أركان النظام أنهم قادرون على منع الملايين من الخروج عليهم.
إذ منذ انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية عام 1988، توجه النظام الحالي إلى الداخل، فزاد من القمع، والقتل، لأنه كان يحاول منع الثورة عليه، لذا ففي الأشهر الأخيرة، عندما ثار الإيرانيون على الوضع المعيشي والاقتصادي الصعب، استخدم القوة المفرطة، وقتل ما يزيد عن 35 الفاً من المتظاهرين العزل، وهذا دليل خوفه من مآلات الانتفاض عليه.
منذ العام 1979 قتل النظام ما لا يقل عن 500 الف من مواطنيه، وهذا رقم ضخم، لذا اليوم يحاول التستر خلف الشعارات، علها تبعد عنه كأس السقوط.
لكن الوقائع تثبت أنه أصبح مجرد نمر من ورق، ليس فقط بالنسبة لدول المنطقة، بل أيضا عند شعبه، وإعلان الهزيمة، رغم العناد، ستكون في الثورة الشعبية عليه، لأن نهاية العناد والغطرسة كانت دائما مريرة جدا، فهكذا حدث مع هتلر النازي، وكذلك اليابان في الحرب العالمية الثانية، وكذلك مع بشار الأسد وغيره ممن عاندوا شعوبهم، حين انفصلوا عن الواقع، وعاشوا على حرير الشعارات الخُلّبية.
لذا، إذا كان هناك راشد عاقل في النظام الإيراني الحالي، ربما سيخرج على الناس ويقول العبارة المشهورة: "إنني أتجرع السم في التوقيع على قرار وقف الحرب".