حوارات
"وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا"(النساء 36).
تُوفيت والدتي عندما كان عمري ثماني سنوات، وتوفيّ والدي عندما كنت في الواحدة والعشرين من عمري، وتوفيّا، رحمهما الله وأسكنهما فسيح جنّاته، في التاريخ نفسه، وكان بين وفاتهما ثلاثة عشر عاماً، فتمتّعت بوجود أمّي لثماني سنوات، وأبي لمدّة واحد وعشرين عاماً من عمري، ولا يزال يسيطر على جزء من تفكيري، هو ما إذا كان هذان العزيزان على قلبي راضيين عَنّي، وما قلته، أو فعلته، أو أنجزته في السنوات الماضية.
وفي الحقيقة، لم يعد يهمّني كثيراً رضا الآخرين غيرهم، وسبب سعيي لمعرفة مستوى رضاهم عني، هو أنّهما من ربيّاني صغيراً، وهما من رسّخا غالبية صفاتي، وسماتي الفكرية والنفسية والشخصية.
وأعتقد أنّهما لو كانا أمامي الآن، لقبّلت رأسيهما شكراً لإشادتهما بي، وكيف ربيت أيضاً ذريّتي، فهل أنتما راضيان عنّي حقًّا؟
الانسان العاقل السوي، لا سيما من تلقّى تربية أخلاقية نبيلة على أيادي والديه، حري به ألاّ ينسى أفضالهما عليه، فصلاح الأبوين أثمر صلاح الأبناء، واستقامتهما الأخلاقية أسهمت في استقامة أبنائهما، وتسامحهما أصبح الآن جزءا أساسيا من شخصيات ذريّتهما، أفلا يستحقّ هذا النوع من أولياء الأمور كل المحبّة والتقدير والتذكير المستمر بسماتهما الإيجابية، أولا يستحقّان أيضا ترسيخ ذكراهما العطرة في قلوب وعقول أحفادهما؟
فيا أبَتِ ويا أمَتِ، هل أجدت ما كنتما تربّياننا عليه من قيم أخلاقية نبيلة، وهل تريان جوانب من شخصياتكما النبيلة في شخصيات أبنائي وبناتي، وهل أنتما أيضاً راضيان عمّا أصبحوا عليه، وهل يعجبكما ما آلت إليه ظروفي وأوضاعي الحياتية التي أنتجتها طريقة تفكيري التي استقيت الجزء الأكبر والأكثر تميّزا فيها من عقليكما وقلبيكما وسمات شخصيتكما، أبت وأمت، أراضون عنّي؟ وهل أوفيت بوصية وبالوالدين إحسانا؟
وهل كنتما تشكّان ولو للحظة أنني ربما لن أوفي بعهودكما الراسخة في قلبي تجاه أحبّتي وإخوتي الصغار؟
وما هي الرسائل التي سترسلونها إلي لو كان مقدّراً لكما التواصل معي الآن؟ أراضون عنّي؟ فيا ربّ الرحمة والغفران، اغفر لوالدي الحبيبين، واجعل قبريهما جنانا، وارحمهما كما ربيّاني صغيرا.
كاتب كويتي