الجمعة 20 مارس 2026
18°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
إيران وإسرائيل... خطران لا خطر واحد
play icon
كل الآراء

إيران وإسرائيل... خطران لا خطر واحد

Time
الخميس 19 مارس 2026
عبدالعزيز محمد العنجري

أخطر ما في هذه اللحظة هو الطريقة التي يحاول بها بعض الناس إعادة كتابة بداية الأزمة، ونهايتها، بما يخدم رواية واحدة.

إيران خطر حقيقي على الخليج والعرب، وخطرها ليس محل جدل. رأيناه في الصواريخ، وفي الأذرع، وفي العبث المنظم بساحات عربية كاملة.

لكن تحويل هذه الحقيقة إلى ذريعة لإعفاء إسرائيل من المسؤولية، أو لتصويرها كأنها مجرد ضحية أخرى، هو تزوير سياسي، وأخلاقي، لا يليق بعربي يعرف كيف تبدأ الحرائق في هذه المنطقة، وكيف تُدار.

المشكلة أن كثيرين لا يترددون لحظة في إدانة إيران، وهذا واجب، لكنهم يرتبكون فجأة حين يصل الكلام إلى إسرائيل. هنا يتلعثمون، ويخفت الصوت، وتضطرب اللغة، وتبدأ الحجج الملتوية.

يريدون منا أن نرى الصاروخ الإيراني فقط، ولا نرى الضربات الإسرائيلية التي سبقت، ولا التوسيع المتعمد للحرب، ولا دفع المنطقة كلها إلى حافة الانفجار. وكأن المطلوب من العربي أن يحتفظ بذاكرة حادة مع إيران، وذاكرة مثقوبة مع إسرائيل. وكأن الأزمات تبدأ دائماً من رد الفعل، لا من الشرارة الأولى التي تشعلها إسرائيل.

وسيحاول بعضهم، كعادته، أن يحوّل هذا الكلام إلى دفاع عن إيران. وهذه ليست مجرد حيلة مكشوفة، بل جوهر الاختلال كله. فهم يخلطون بين التفسير والتبرير، وبين رفض محو دور إسرائيل وبين الاصطفاف مع إيران.

وهكذا لا يعود النقاش عندهم حول الحقيقة، بل حول تشويه من يقولها، وصولاً أحياناً إلى السخرية والشتم، لأن المطلوب في النهاية ليس فهم الوقائع كما هي، بل تعطيل أي محاولة لوضع إسرائيل في موضع المساءلة.

وما يثير القلق أكثر من هذا الأسلوب نفسه هو المناخ الذي يكشفه، مناخ آخذ في التشكّل يميل تدريجياً إلى تطبيع الصمت عنها، والتضييق على كل من يطالب بإدانتها ولو بالحد الأدنى. وأخشى أن يكون ذلك تمهيداً نفسياً وسياسياً لمرحلة يُراد فيها توسيع قبول إسرائيل عربياً، بوصفها شريكاً يمكن التعايش مع أذاه، وتبرير أفعاله، وقبول دخوله بيوتنا من الباب الرئيسي، بعد سنوات من دخول بيوت كثيرة من نافذة غرف النوم.

إن صح هذا المسار، لا سمح الله، فنحن أمام محاولة خطيرة لإعادة تشكيل الوعي العربي نفسه. وعيٌ يرى الخطر الإيراني بوضوح، ثم يُطلب منه في المقابل أن يغض بصره كلما تعلق الأمر بإسرائيل. وتتضاعف الخشية لأن مسارات التطبيع مع إسرائيل لم تُصغ أصلاً على إيقاع الشعوب العربية، بل فوقها. ولهذا يبدو الصمت عنها اليوم أخطر من مجرد صمت.

آخر الأخبار