لماذا يعادي قادة الفرس العرب، ويعتدون على دول الجوار العربي، لا سيما الخليجية؟
الجواب عن هذا السؤال يكشف الكثير مما يضمره قادة الفرس، أياً كانت طوائفهم ومذاهبهم، للعرب، فهذا العداء ليس وليد اللحظة، ولا علاقة له بالصراع الأميركي - الإسرائيلي ضد النظام الإيراني الحالي، بل إنه موروث منذ قرون طويلة، يبدأ من معركة "ذي قار"، مروراً باللحظة الفارقة في التاريخ الفارسي، وهي سقوط الإمبراطورية الساسانية، التي مثلت سقوطاً مدوياً للنهج التوسعي الإيراني في ذلك الزمن.
لقد كانت الغطرسة الفارسية، قبل انبلاج فجر الإسلام، كبيرة وعظيمة، إلى حد التحكم في سلوك القبائل العربية، وكانت هذه في معظمها مسيحية، واندلعت أولى شرارات الخلاف بين النعمان بن منذر وملك الفرس، آنذاك، كسرى أبرويز، حين طلب الأخير يد ابنة النعمان، لكن الأب رفض، ولا مجال لذكر التفاصيل، إلا أن النتيجة كانت اندلاع الحرب بين القبائل العربية والفرس، ولقد هزمت القبائل بعشرين ألف مقاتل جيش الفرس المؤلف، حينها، من 120 ألف جندي.
هذه الهزيمة لم تثن الإمبراطورية عن استمرار التوسع في المحيط العربي، على أمل الانتقام، إلا أن التوسع لم يكن في مصلحتها، إذ في العام 12 للهجرة، كانت معركة السقوط الفارسي الكبرى، حين خيّر خالد بن الوليد الحاكم الإيراني على العراق، هرمز، بين الإسلام أو الجزية أو القتال، حينها أمر كسرى بإمداد عامله على بلاد ما بين النهرين بالجيش، لكن المسلمين كانوا على استعداد لمواجهة تلك القوات في كاظمة، ويومها انتهت المعركة بسقوط الدولة الساسانية.
إن الهزيمتين جعلتا الفرس أكثر تصميماً على العداء للعرب، إذ كانوا ينظرون إليهم على أنهم مجرد قبائل لا حول لها ولا قوة، إلا أن ما جرى بعدها أثبت أن العرب، أشد قوة وحكمة في التنظيم، وقيادة الحروب، إذ بعد معارك الفتح في الشام، عمل الفرس على الغدر بالمسلمين في العراق، حينها كانت القوات المسلمة بقيادة سعد بن أبي وقّاص قادرة على رد العدو على أعقابه، وجاء النصر للعرب المسلمين في معركة القادسية.
رغم ذلك، وحتى بعد دخول الفرس الإسلام، لم ينته ذلك العداء، لأن العقيدة القومية كانت أقوى من العقيدة الدينية، لذلك استمر التمايز بين الطرفين في خلافات ذات طابع عرقي، حتى القرن الخامس عشر الميلادي، حين غير إسماعيل الصفوي العقيدة المذهبية للإيرانيين كافة، وفي سبيل ذلك، وكما ذكرنا قبل أيام، قتل نحو مليون نسمة من أجل هذا التغيير المذهبي.
طوال القرون الماضية حاول الفرس التدليس على المذاهب الإسلامية كافة، ولم يسلم منها أي مذهب، بل أدخلوا فيها بعض ما تركته الثقافة المجوسية في الذهن الفارسي.
إلى ماذا تقودنا هذه القراءة التاريخية؟
قبل الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، كانت دول الخليج كافة أعلنت أنها لن تسمح للولايات المتحدة باستخدام أراضيها للهجوم على إيران، وعملت على وساطة من أجل الوصول إلى حل يجنب المنطقة ويلات الحرب.
لكن حين شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما، لم تُستشر الحكومات الخليجية في هذا الأمر، ورغم ذلك كانت هي ساحة الحرب الإيرانية، وليست إسرائيل أو الولايات المتحدة، فما تلقته دول الخليج من صواريخ ومسيّرات أضعاف ما أرسلته طهران إلى إسرائيل، كذلك عملت على تنشيط الخلايا النائمة في دولنا.
لماذا فعلت إيران ذلك مع دول الجوار؟
ببساطة هي تفرغ جزءاً من العداء الموروث تاريخياً ضد العرب، والخليجيين تحديداً، ولا يهمها علاقات حُسن الجوار، فهي لا تزال تنظر إلى المنطقة الخليجية على أنها سبب سقوط الإمبراطورية الساسانية، لا أكثر ولا أقل.