المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الاصطفافات الحادة، بقدر ما تحتاج إلى وعي ستراتيجي يقرأ الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يبدو، وفي هذا السياق، يصبح فهم أدوار الفاعلين الإقليميين، مهما كانت شعاراتهم، خطوة أساسية نحو استعادة التوازن، ووضع حد لدورات الصراع التي أنهكت العالم العربي لعقود.
أن خطاب المواجهة الذي يرفعه الطرفان يُخفي واقعاً أكثر تعقيداً، فاستمرار الصراع يخدم مصالح ستراتيجية لكليهما، إذ يمنح إيران مبرراً للإبقاء على شبكاتها الإقليمية، ويمنح إسرائيل ذريعة لتعزيز تفوقها العسكري وتوسيع تحالفاتها.
في خضمّ التعقيدات المتصاعدة في الشرق الأوسط، يبرز طرحٌ تحليليّ يثير الجدل مفاده أن سلوك كلٍّ من إيران وإسرائيل، رغم العداء المُعلن بينهما، يكشف عن تقاطعات عميقة في الأهداف والنتائج، حتى ليبدو وكأنهما (وجهان لعملة واحدة ) في إدارة الصراع الإقليمي، وتغذية عدم الاستقرار، وإدامة الأزمات.
هذا الطرح لا ينطلق من فرضية التماثل الأيديولوجي، فالفارق بين مشروع ديني ثوري وآخر قومي توسعي واضح، لكنه يستند إلى قراءة براغماتية للسياسات على الأرض، فحين تُقاس النتائج لا الشعارات، يتبيّن أن الطرفين يستفيدان من حالة الفوضى المزمنة في المنطقة، ويغذيانها بدرجات مختلفة.
من جهة، اعتمدت إيران على ستراتيجية النفوذ غير المباشر عبر دعم جماعات مسلحة خارج حدودها، ما أسهم في إضعاف الدول الوطنية، وإعادة تشكيل موازين القوى داخل عدد من البلدان العربية، هذه السياسة، التي تُقدَّم تحت شعارات "المقاومة" أو حماية الأمن القومي، أفضت عملياً إلى تفتيت السلطة المركزية، وتعميق الانقسامات الطائفية، وتحويل بعض الدول إلى ساحات صراع مفتوحة.
من جهة أخرى، تمارس إسرائيل سياسات قائمة على التفوق العسكري، وفرض الأمر الواقع، سواء من خلال استمرار الاحتلال، أو تنفيذ عمليات عسكرية متكررة، أو رفض تسويات عادلة تضمن استقراراً دائماً.
هذه السياسات لا تُبقي الصراع قائماً فقط، بل تُعيد إنتاجه جيلاً بعد جيل، بما يخدم بيئة التوتر التي تستفيد منها.
المفارقة أن كلا الطرفين، رغم عدائهما الظاهر، يوظف وجود الآخر لتبرير سياساته، فإيران تستخدم التهديد الإسرائيلي لتعزيز خطابها التوسعي وتعبئة أنصارها، بينما تستثمر إسرائيل في الخطر الإيراني لتبرير سياسات، أمنية وعسكرية، متشددة، وكسب دعم دولي، وتهميش أي ضغوط تتعلق بالقضية الفلسطينية.
النتيجة المشتركة لهذا التفاعل ليست توازناً في القوى، بل اختلالاً عميقاً في استقرار المنطقة العربية، فالدول التي تُستنزف في صراعات، داخلية أو إقليمية، تصبح أقل قدرة على التنمية، وأكثر عرضة للتدخلات الخارجية، وهنا يتقاطع دور الطرفين، حيث تتحول المنطقة إلى مسرح نفوذ، وليس فضاءً لدول مستقلة ذات سيادة.
إن توصيفهما "كوجهين لعملة واحدة" لا يعني إنكار اختلافاتهما، بل الإشارة إلى أن سياساتهما، في محصلتها النهائية، تسير في اتجاه واحد، إضعاف النظام الإقليمي العربي، وإدامة حالة اللا استقرار، ومنع تشكّل بيئة سياسية مستقرة يمكن أن تفرض حلولاً عادلة ومستدامة.
من هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في التعامل مع كل طرف على حدة، بل في إدراك طبيعة هذا التفاعل المتوازي، وبناء ستراتيجية عربية قادرة على كسر هذه الحلقة، ستراتيجية تقوم على تعزيز الدولة الوطنية، وتحصين الداخل، وتبني مواقف موحدة تقلل من فرص استغلال الانقسامات.
كاتب سعودي