يرصد كتاب "بشار بن برد - بين الجد والمجون"، الصادر عن دار "أقلام عربية"، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية. عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة. وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها "عبدة" لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة، وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها "البردان" جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.
وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام "عبدة" في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.
تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:
عذيري من العذال إذ يعذلونني
سفاها وما في العاذلين لبيبُ
يقولون لو عزيت قلبك لارعوى
فقلت وهل للعاشقين قلوبُ