حين نطالع التقارير عن خلايا مرتبطة بالنظام الإيراني في دول الخليج العربية، نكتشف أن معنى "تصدير الثورة" الذي هو بند في دستور الدولة الإيرانية الجديدة، يمارس بشكل منظم، وهذا يعني المزيد من الحذر الامني في التعامل مع تلك الجماعات، التي تناصر هذا النظام.
وكي لا يخطىء احد في التفسير، فإن هذه الجماعات، من مختلف الطوائف، وليست حكراً على مكون معين، فهي في مكان ما بأوروبا غير اسلامية بالمطلق، وفي العالم الاسلامي، هي سنية، وكما هناك خلايا شيعية.
لذلك فإن البحث عن الهوية المذهبية هنا هو تفريق غير محمود، بل فيه الكثير من الخبث، لدق اسفين بين المكونات الاجتماعية في دول الخليج، التي هي بحاجة اليوم، واكثر من اي وقت مضى إلى الوحدة الوطنية الداخلية، والتمسك بالثوابت الخليجية.
في المجال ليس هناك اي مفاضلة، فالوحدة الوطنية هي العامل الاساسي الذي يفشل كل محاولات العدو في الاستفادة من اي ثغرة، كما أن الالتفاف حول القيادة السياسية، والتمسك بالتوجيهات التي تصدر عن الجهات المعنية، هو الاساس، فالكويت اليوم بحاجة ماسة، واكثر من اي وقت مضى، إلى التمسك بالوحدة الوطنية، وهذا هو الرهان الكبير على الشعب الكويتي، بكل مكوناته.
إن النظام الإيراني الحالي، يعتمد على الشبكات الصغيرة، حتى في الاقتصاد، لانه يرى فيها الحل الامثل للخروج من شرنقة الحصار الكبير، الذي يخضع اليه منذ 47 عاما، ولقد حقق خلال تلك السنوات الكثير من الفوائد، من هنا اصبحت شبكات التهريب امراً عاديا له، ليس فقط في تهريب الحاجيات اليومية، بل ايضا المخدرات.
من هنا فإن المعالجات يجب الا تكون عادية، ولا تعتمد على اساليب مأخوذة من تجارب الاخرين، كما أن الاجتثاث العشوائي لا يفيد، لانه يعمل على التصحير الذي له الكثير من العواقب.
ففي الحرب العالمية الثانية، لجأت الولايات المتحدة إلى العزل الاجتماعي لليابانيين المقيمين فيها، حتى اولئك الذي يحملون جنسيتها، والمولودين على ارضها، فكانت النتيجة سيئة للغاية، ولقد خسرت الولايات المتحدة عنصراً اساسياً، هو القوة الاقتصادية العاملة، في وقت كانت الدولة بحاجة إلى الجميع للمشاركة بالمجهود الحربي.
إن اعتماد النظام الإيراني على هذه الشبكات يجعل الامر اكثر تعقيداً، لانها تؤدي دوراً في اقلاق الامن الاجتماعي والاقتصادي، وكذلك الامني، في وقت تكون الدول بحاجة إلى استتباب الامن كي تمارس دور التصدي للتهديدات الخارجية.
منذ العام 1979 لجأ النظام الإيراني إلى هذه الصيغة في الكثير من الدول، ففي الارجنتين، مثلا، كانت لها خلايا تعمل على زعزعة الوضع في الدولة، وكذلك في بلغاريا، وفي الولايات المتحدة الاميركية، ومعظم دول اميركا اللاتينية، ما اشغل الاجهزة الامنية فيها عن التهديدات المباشرة الاكثر اهمية.
ايضا لجأ إلى هذه الشبكات في كثير من الاحيان للحصول على مكونات كانت إيران بحاجة اليها في سبيل بناء مشروعها النووي، وكذلك الصواريخ الباليستية.
اليوم وفي المواجهة بين إيران والولايات المتحدة الاميركية وإسرائيل، لم يجد هذا النظام بداً من اللجوء إلى تحريك بعض الخلايا، والاعتداء على دول الخليج، التي منذ سنوات كانت تعمل على منع الصدام بين طهران وواشنطن، ولقد اضطلعت بدور كبير في هذا الشأن، وكانت ضد استخدام اراضيها ضد إيران، لكن ماذا حصل؟
بدلاً من استغلال إيران هذه الميزة للحفاظ على علاقات ودية مع الجيران، لجأت إلى العدوان عليها، وهذا لا شك اسقط الثقة بين الجيران الذين بحكم الجغرافيا، كانت السوق الخليجية هي المنفذ لإيران، والتي تخدم تحسين الوضع الاقتصادي المنهار بفعل العقوبات المستمرة منذ العام 1979، بينما اليوم، خسرت طهران هذه السوق، وكذلك خسرت الثقة، التي كانت تعمل طوال سنوات على اعادة بنائها.
استناداً إلى ذلك، فإن ما جرى في الحرب الاخيرة غيّر العلاقة بين الجيران، وهذا التغيير لا بد أن يستمر إلى عقود، حتى لو تغير النظام الإيراني خلال السنوات المقبلة، لان الثقة لم تعد موجودة.