مرايـا الروح
ليست الكويت التي تُخان… ليست هذه الأرض التي سُقيت بدماء أبنائها الشرفاء، الذين ارتقوا دفاعاً عنها، وتزيّنت بتاريخٍ من الوفاء الخالص الذي لا يعرف الخيانة، تُقابَل بالجحود والنكران، وتُغدر بطعنةٍ مسمومة في خاصرتها.
الكويت ليست حدوداً تُحدّها خرائط، بل روحٌ نابضة تسكننا، وذاكرةُ شعبٍ صاغتها قيم الكرم، والإنسانية، والوفاء، وتوشّحت بالأصالة والنخوة؛ اسمها يجري في عروقنا كما يجري الدم، حضوراً لا يخبو، وانتماءً لا ينفصل، يشتدّ كلما اشتدّت الأيام.
هذه الكويت التي مدت يدها قبل أن تُطلب، وآوت قبل أن يُستغاث بها، وأعطت بلا حساب حتى صار اسمها مرادفاً للخير في كل مكان، كيف يُتصوَّر أن يُردّ جميلها بالخيانة، ويُكافَأ عطاؤها بالخِزي والخذلان، كيف يُعقل أن يُقابَل خير الكويت بطعناتٍ غادرة في الخفاء؟
لقد أصبح المشهد مؤلماً حدّ الحيرة؛ أعداؤنا أولئك الذين يقذفون صواريخهم من خلف الحدود، أم أولئك الذين يتسللون بيننا بوجوهٍ مألوفة، وقلوبٍ غريبة؟
أيُّهما أشد خطراً: عدوٌ ظاهر نُحسن الاستعداد له، أم خذلانٌ غادر، وخيانةٌ مستترة ترتدي زوراً ثوب الانتماء؟
إن الصاروخ، مهما علا دويّه، لا يُخيف وطناً يعرف طريق الصمود… لكن ما يُوجع حقاً، هو ذلك الصوت الخافت للخيانة، حين يصدر ممّن يفترض أن يكونوا الدرع لا الخنجر، والسند لا الثغرة.
الكويت لم تكن يوماً أرضاً عابرة، ولا وطناً يُساوَم عليه.
هي أمانة في أعناق أهلها، وعهدٌ لا يُنقض، ورايةٌ لا تُنكّس. من عاش من خيرها، وتفيّأ ظلّ أمنها، ومن ثمّ باعها بثمنٍ بخسٍ، غير مدركٍ أنه يبيع شرفه قبل وطنه، فقد أعدم نفسه معنوياً، وحكم على نفسه بالسقوط، قبل أن يخسرها.
الوطنية لا تُقال، بل تُرى حين تضيق السبل، وتنكشف المواقف، وحبّ الوطن لا يُقاس بالكلمات، بل يُثبت حين تشتدّ المحن.
وفي خضمّ استمرار الاعتداءات، لا يُفرَز الصادق من المتخاذل بالقول، بل بالفعل؛ ونحن نواجه، بثباتٍ لا ينكسر، غدر الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تحاول النيل من وطننا، وتخريب أمنه، يظهر من يقف درعاً لوطنه، ومن يختبئ خلف التبريرات الواهية أو يغرس الخنجر في ظهره.
لكن؛ ستبقى الكويت، ما بقي فينا نبض، عصيّةً على الخيانة، شامخةً فوق كل عدوان، طاهرةً لا تبلغها يد الحاقدين، ولا تُطفئ نورها كل محاولاتهم.
ستبقى الكويت، كما عهدناها، وطناً لا يُكسَر ولا يُساوَم عليه، لأن فيها رجالاً ونساءً كتبوا حبّها قدراً في قلوبهم، وجعلوا الدفاع عنها شرفا يُفدى بكل غالٍ ونفيس.
ستبقى وطناً لا ينحني، وطنا لا يُقهر.
والخلاصة التي لا ريب فيها… الخيانة ليست وجهة نظر، فمن باع وطنه، عاش ذليلاً، ولو تزيّن بغير ذلك، ومن يطعن شعبه، يفنى وحيداً، وكل خائن وعميل، مهما عظمت سلطته، ومهما كبر نفوذه، ومهما كثرت بطانته، نهايته تكون الهلاك المحتوم.
فالأوطان تعرف جيداً كيف تلفظ من باعها.
كاتبة كويتية