الأحد 05 أبريل 2026
25°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الانتدابُ مسقطُ رأسِ الموت
play icon
كل الآراء

الانتدابُ مسقطُ رأسِ الموت

Time
الاثنين 23 مارس 2026
د.جورج شبلي

هل قُدِّرَ لنا، في لبنان، نحن الشّعب الذي لا يُخصِبُ فكرُه الدَفّاق إلّا في مناخِ الحريّة، أن نكتبَ، بعد كلِّ مرحلةٍ انتدابيّة، ملحمةَ نضالٍ لنزيحَ عن أكتافِنا كابوسَ الموتِ، والظّلمِ والقمعِ والإرهاب؟

هذه الإشكاليّة ليسَت أُلْهُوَة، ولا عبارة عن مَحضِ قلقٍ وارتباك، وليسَت ارتجالاً عابراً لتمريرِ موقف، إنّها سؤالٌ جدّيّ عن "نيرونيّةِ" انتدابِ المَلالي والذي يجلدُنا بسياطِه، طغياناً، وزَجاً لبلدِنا بحربٍ لا تعنيه، ما يخلّفُ ضحايا، وتدميراً، ونزوحاً مؤلِماً، واغتيالاً لطمأنينة النّاس وسلامتهم.

إنّ موهبةَ لبنان العُليا، بل جوهر وجودِه، أنّه وُجِدَ ليكونَ، وبإرادتِهِ، نموذجاً للحريّة، فلا يُعقَلُ، إذاً، أن يَقبلَ بتعطيلِها، ويخضعَ للاستعبادِ والاستعمار، مهما مارسَ الانتدابُ الجديد التّحريضَ، وإثارةَ الفتنة، والتّرهيب، فإذا كُتِبَت علينا المواجهة، غصباً عنّا، فلا استنفادٌ للنّضال، لأنّ صدى العنفوانِ، فينا، نحن شعب لبنان، لم يكنْ، يوماً، باهتاً، ولن يكون.

إنّ الانتدابَ، في مسارِ التّاريخ، لم يكنْ سوى استيلاءِ دولةٍ على دولة أخرى، وجعلِها محميّةً مسلوبةَ السيادة، لنهبِ ثرواتِها ومَرافقِها، وإدارتِها، وقرارها، إمّا مباشرةً، أو بالعملاء البلديّين. واستناداً الى ما نُعاينُ واقِعاً، أَلَسنا في خِضَمِّ مشروعٍ استعماريٍّ مشبوه، يسعى، حفاظاً على مصالحِهِ، وإسناداً لحربِه، الى توريط لبنان في تَحَمّل آلةِ قتلٍ شنيعة، كلُّ ذلك لاستثمارِ لبنانَ ورقةً في مفاوضاتِ إنهاء الحرب، كما في ما يمكنُ أن تكتسبَه دولةُ الملالي في مشروع الشّرقِ الجديد، المُزمع إعلانه في المنطقة؟

لقد مارسَ المُنتَدِبُ، في بلادنا، خطّةً مُبَرمَجَة، منذُ الرِّبعِ الأخير من القرنِ الماضي، بدأت بالهيمنةِ الأمنيّةِ الاستقوائيةِ لذِراعِه، واستُتبِعَت بهيمنةٍ سياسيّة، واحتكارٍ للقرار الوطنيّ، عَملاً بالعِرف السّائد بأنّ مَنْ تمَّ استعمارُه أمنياً، سيُستَعمَرُ، بالضرورة، في المجالاتِ الأخرى.

وهكذا، توالَت فصولُ الانتدابِ الجديد، إنكاراً للهويّة الوطنية، وتهميشاً لشرعية الدولةِ بتَقويضِها لصالحِ الدّويلة، واستبدالاً للديمقراطيّةِ بثيوقراطيّةٍ موصوفة، ومجاهرةَ التُبَّع البلديّين بولاءٍ لمرجعيّاتٍ وراءَ الحدود... وهكذا، فُضِحَت خلفيّاتُ المحلَيّين، وهم ذراعُ الخارجِ المنتدِب، وكُشِفَت شعاراتُهم المُمَوَّهة، وتَبيَّنَت نوايا الاستعمارِ الجديد بجعلِ لبنانَ ولايةً خاضعةً لمشيئتِه، يستغلُّها لمصلحتِه، في الحرب والسِّلم.

ليسَ مَنْ يُنكرُ أنّ الحربَ العبثيّةَ التي تعملُ على تدمير البلاد، لم تكنْ دولةُ لبنان، أو شعبُه، في أساسِ قرارِها، وبالتالي، فلا ذرائعَ تُقبَلُ تحتَ مسميّةِ حربِ لبنانَ في مواجهةِ العدوّ الإسرائيلي. من هنا، فزَجُّ البلادِ في جهنّم، وفي دائرة الخطر، صدرَ الأمرُ به من قيادةِ "الحرس الثّوريّ"، تحت عنوان إسناد إيران، والانتقام لاغتيال علي خامنئي. ثمّ تَوافَدَ قسمٌ من "الحرس الثّوري" الى لبنان، لقيادة الحزب والحرب، بعدَ القضاءِ على قيادِيّي "حزب الله" في مغامرةِ إسناد غزّة.

إذا عدنا الى الإشكاليّة، لا يسعُنا إلّا أن نطرحَ النتائجَ التي يتكبَّدها لبنان، من جرّاءِ جعلِه فريسةً في شِدقِ آلةِ العدوِّ الإجراميّة، أضراراً هائلةً، لا تُحصى، في البشرِ والحجرِ، والاقتصادِ والنّزوحِ والهجرة، ولمّا تقفِ الأضرارُ، بعدُ، عندَ حَدّ، بل تتفاقم، يوماً بعد يوم، ليتصبَّحَ الناسُ، مع كلِّ شمس، بلائحةٍ سوداءَ عن ضحايا، ودمار، وجَرفِ قُرى، وتقطيع مفاصل الجنوب، واستهدافاتٍ في كلِّ المناطق.

في غمرةِ هذا السّيلِ من المآسي، والكوارث، والإبادة، وإعادةِ البلاد الى القرونِ الحجريّة، لا يزالُ البعضُ، عندَنا، يُكابرُ، ويدّعي، وبعضٌ آخرُ يساندُ ويصفّق، والطّرَفانِ يعانيانِ، حتماً، عقماً في التّفكير، وقصراً في النّظر، وإيماناً بأوهامٍ مفلَّسة، وتَعَصُّباً مَرَضياً خبيثاً، وغياباً للوعي، ولصوابيةِ التّعاطي مع الوقائع، إضافةً الى تَبَخُّرٍ تامٍ للعلاقةِ بالوطن، انتماءً وولاءً.

البعضُ ينتحر، ويغتالُ الوطنَ بانتحاره العبثيّ، والبعضُ السّاذجُ يباركُ انتحارَه، واغتيالَه البلاد، وكلاهما يهدِّدُ ويتوعّدُ النّاسَ الذين يخالفونهما قرارَ الحرب، وما قرارُ الانتحار سوى دوارٍ يتحكَّمُ في ادمغة صَدِئة.

أمامَ هذه النّكبةِ المتمادية، نطالبُ الدولةَ، عندَنا، بتنفيذِ ما جاءَ في خطاب القَسَم، وفي البيان الوزاري، بضرورة حصرِ السّلاح بالقوى الشرعيّة دون سواها، عَملاً بالقرارات الأُمَميّة، لا سيّما القرار 1701، خوفاً من الأَسوأ الآتي، وعلينا، نحن شرائحَ المجتمع اللبناني، على اختلاف المشاربِ والمذاهب، أن نتضامنَ بأخلاقيّةٍ وطنيّةٍ صحيحة، صارِخين "كفى"، رَفضاً لاستمرارِ الحرب، ورَفضاً للدويلةِ وسلاحها غير الشّرعي، ورَفضاً لانتهاكِ الدّستور بتعطيلِ المؤسّساتِ، والاستحقاقات، ورَفضاً لأيّ انتدابٍ أيّا كان اسمُهُ.

هذه هي البدايةُ الجديّةُ المسؤولةُ التي تُثمِرُ خلاصا للوطن، ومجتمعاً واعياً متماسِكا يتوقُ الى الحقّ، والعدلَ، والحريّة، والحياة الكريمة.

استاذ جامعي لبناني و كاتب

آخر الأخبار