مهما كانت الأكاذيب الإعلامية الإيرانية، فطهران قد خضعت، وعندما يقول وزير خارجية النظام إنه حصل على موافقة المرشد لإنهاء الحرب في أسرع وقت، فإن ذلك يعني التمهيد لتجرع السم مرة ثانية، لكن لن يكون مثل ثمانينيات القرن الماضي، لأن العالم تغير، وكذلك الثقة بين جيران إيران وبينها تحتاج إلى عقود لإعادة البناء وفق نتيجة المتغيرات التي شهدتها دول مجلس التعاون الخليجي.
كذلك هذا ينطبق على الدول العربية كافة، لأن ما شهدته تلك الدول لا يمكن التعامل معه مرور الكرام، لذا فإن التطورات المتسارعة خلال الأيام القليلة الماضية وضعت الخطوط العامة للنهاية التي ستكون عليها هذه المرحلة، وربما لعقود عدة، وهذا ما يجعل قادة النظام الفارسي يحاولون الحفاظ على ماء وجههم قدر الإمكان أمام شعبهم.
على هذا الأساس، يُنظر إلى اشتراط النظام موافقة الولايات المتحدة الأميركية بالاعتراف بأنها المعتدية، ودفع تعويضات.
ففي الشرط الأول، يتناسى قادة إيران أن الحساب ليس عن هذه الفترة، إنما عن تاريخ من الإرهاب، بدأ العام 1979، وهو مستمر إلى الآن، وبالتالي فمن عليه الاعتراف بالعدوان هي طهران، وليست واشنطن، أو عواصم الخليج المتضررة كثيراً من العدوان الإيراني.
ثانياً، إن التعويض يدفعه المهزوم، هكذا الحال مع ألمانيا، بعد الحرب العالمية الثانية إذ رغم رحيل الحكم النازي، وموت هتلر، لا تزال برلين إلى اليوم تدفع تعويضات لكل الدول التي تضررت من العدوان النازي، كذلك الأمر ينطبق على اليابان، التي دفعت تعويضات إلى الدول المجاورة التي اعتدت عليها طوال عقود.
لهذا، فإن دول مجلس التعاون الخليجي التي تضررت كثيراً من الاعتداءات الإيرانية، لها الحق في المطالبة بتعويضات عن كل الأضرار، وكذلك إن الولايات المتحدة ستطالب، هي وإسرائيل، بالتعويض، وأيضاً الدول المتضررة من إغلاق مضيق هرمز، والسفن المتعطلة، ما يعني أن إيران، مهما كان شكل النظام الحاكم فيها، بعد هذه الحرب، ستكون أمام فاتورة كبيرة تستمر لعقود عدة.
لا شك أن ذلك سيؤدي إلى أزمة كبيرة في الداخل الإيراني، لأن الشعب الذي عانى طوال 47 عاماً من الفقر والجوع والقمع، لن يدفع ثمن مغامرات النظام الحالي، وبالتالي فإنه سيثور عليه، عاجلاً وليس آجلاً.
من هنا، فإن إظهار طهران نفسها منتصرة فيه الكثير من التدليس، فهي كل يوم تؤكد خضوعها وانكسارها، وما تعلنه ليس أكثر من حملة للاستهلاك الداخلي، وليست موجهة إلى الخارج.
لذا، فإن الواقع يقول إنها دخلت نفقاً أشد ظلمة مما سبق، لأن الوضع في الشرق الأوسط تغير عما قبل الحرب، وهذا التغيير لن يمر من دون دفع أثمان باهظة، ليست إيران فقط، بل كل الأذرع التي زرعتها في المنطقة، ولا شك أن عليها أيضاً التعويض عن الأضرار التي تسببت بها الجماعات الطائفية التابعة لها، بدءاً من لبنان مروراً بسورية والعراق وصولاً إلى اليمن.
وبالتالي، عليها أن تأخذ في الحسبان، أنها لن تكون كما قبل هذه الحرب، ومن يغريها بالتفرغ إلى دول الخليج والعراق، والابتعاد عن إسرائيل، وعدم مماحكة الولايات المتحدة، فهو يرسم لها طريق الهاوية، التي وصلت إليها بالمغامرات الرعناء.