حوارات
يعرف كل قارئ، مطّلع، ما هو الإسقاط النفسي، ولماذا يستعمله البعض أكثر من غيرهم، وتبرز، وتزيد ظواهر الإسقاط النفسي السلبي في بعض البيئات المضطربة، وتكاد تختفي في البيئات الاجتماعية الطبيعية.
وتكثر في البيئات التي يطغى عليها الفساد الأخلاقي، وتنتشر فيها مظاهر البخل الشديد، والهوس للحصول على المال بأي طرقة، وكذلك القسوة والوحشية تجاه الضعفاء والمحرومين، والفقراء، وخصوصا تتكرّر فيها سلوكيات القسوة الوحشية ضدّ من لا حول له ولا قوة، ويروج فيها الشعور بالتفوّق الوهمي. بينما لا يوجد في الواقع سوى تخيّلات بالعظمة الزائفة، المستندة على النفخ النفسي شبه الأزلي، وكثرة الهلس الكلامي الفارغ المعنى، وبهدف فبركة صور متخيّلة عن الشخصية مخالفة الواقع الحياتي المرير. ويصل الشخص المصاب بهذه الحالة النفسية المعقّدة إلى مرحلة متقدّمة، من هذا المرض النفسي المدمّر، عندما يبدأ يستولي عليه الإحباط الذاتّي، والذي يرتكز أساساً على كره شديد للنفس، وعندما يشيع في حياته اليومية التعرّض اليومي شبه المستمر للجلد الفعلي، أو النفسي، أو التنكيل، والتعسّف ممّن هو أقوى منه بدنياً، أو أكثر مالاً، أو أعلى منه مكانة اجتماعية، وفق معايير معوجّة لمجتمع فاسد وسوقيّ، وفاقد للقيم وللمبادئ الأخلاقية العالمية، المتعارف عليها بين بني البشر الأسوياء، أو على الأقل من لا يعانون من تأثير تراث "أخلاقي" تاريخي فاسد، وشبه متوحّش.وبالطبع، سيكثر عدد ضعفاء الشخصية في هذا النوع من المجتمعات، التي يجب أن توصف بالفعل أنها تجمّعات بشرية، وليست مجتمعات طبيعية، لفقدانها لمبادئ الرحمة والشفقة، والمروءة والنخوة، وكلّ ما يميّز الإنسان السوي.
ولا غرابة في أن يمارس بعض أو كثير من المتواجدين في هذه التجمّعات البشرية أسوأ أنواع الإسقاط النفسي التعويضي... التشمّت، ودحس الملح في الجروح، والفرح بكل مكروه يقع للإنسان الآخر، وخاصة تجاه من يتشاركون معهم ببعض الصفات الأساسية، لكنهم يختلفون عنهم في عيشهم في مجتمعات مختلفة، وفقا لمعطياتها الأساسية (الأفكار والآراء والمسلّمات الأخلاقية والنفسية)، وقوي الشخصية لا يسقط صراعاته الداخلية على من لا ذنب لهم.
كاتب كويتي