الأربعاء 29 أبريل 2026
27°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
هل يقود ترامب 'بيروسترويكا أميركية' تنهي عصر القوة الأحادية؟
play icon
كل الآراء

هل يقود ترامب "بيروسترويكا أميركية" تنهي عصر القوة الأحادية؟

Time
الأربعاء 25 مارس 2026
د.عائد الهلالي

في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تدخل طوراً جديداً من التحولات العميقة، بعد أن أقدم دونالد ترامب على خوض مواجهة عسكرية مع إيران، دون غطاء دولي، أو دعم من حلفائه التقليديين، وعلى رأسهم حلف شمال الأطلسي.

هذا الرفض الأوروبي لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل يعكس تصدعاً حقيقياً في بنية التحالف الغربي، ويطرح تساؤلات خطيرة حول مستقبل القيادة الأميركية للنظام الدولي.

القرار الأميركي بالتصعيد العسكري جاء في ظل غياب أهداف ستراتيجية واضحة، ما جعل كثيراً من العواصم الغربية تنظر إلى هذه الحرب بوصفها مغامرة غير محسوبة، تحمل مخاطر اقتصادية وأمنية عالمية.

ومع ارتفاع أسعار الطاقة بشكل كبير نتيجة التوترات في منطقة الخليج، بدأت تداعيات الحرب تضرب الاقتصاد العالمي، لكن الأثر الأكبر كان داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث تصاعدت موجة رفض شعبي واسعة ضد هذه السياسات.

في الداخل الأميركي، تتعمق الانقسامات، السياسية والاجتماعية، بشكل غير مسبوق. فبينما يبرر أنصار ترامب هذه الحرب باعتبارها دفاعاً عن المصالح القومية، يرى معارضوه أنها استنزاف خطير للموارد، وتكرار لأخطاء تاريخية مكلفة.

هذا الانقسام لا يقتصر على النخب السياسية، بل يمتد إلى الشارع، حيث تزداد الاحتجاجات، وتتراجع الثقة بالمؤسسات.

هذا المشهد يعيد إلى الأذهان تجربة ميخائيل غورباتشوف عندما أطلق سياسات الـ"بيروسترويكا" التي هدفت إلى إصلاح النظام السوفياتي، لكنها انتهت بتفككه عام 1991.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يمكن أن يقود ترامب، بشكل مباشر أو غير مباشر، عملية مشابهة داخل الولايات المتحدة؟

الفارق بين التجربتين كبير بلا شك، فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك اقتصاداً قوياً، ومؤسسات راسخة، لكن التشابه يكمن في طبيعة الضغوط، الداخلية والخارجية، المتزامنة. ففي الاتحاد السوفياتي، أدى الإنهاك الاقتصادي، والحروب الخارجية، وفقدان الثقة بالنظام إلى تسريع الانهيار. واليوم، تواجه واشنطن تحديات مشابهة: ديون متراكمة، استقطاب سياسي حاد، وتراجع في صورة القيادة العالمية.

اللافت أن رفض حلفاء الـ"ناتو" المشاركة في الحرب يعكس بداية تحول في موازين القوة الدولية. أوروبا لم تعد مستعدة للانخراط في صراعات لا ترى فيها مصلحة مباشرة، وهو ما يضعف من قدرة الولايات المتحدة على فرض رؤيتها الأحادية.

هذا التحول قد يدفع دولاً أخرى، مثل الصين وروسيا، إلى ملء الفراغ، وتعزيز نفوذها على حساب واشنطن.

اقتصادياً، يشكل ارتفاع أسعار الطاقة عبئاً إضافياً على المواطن الأميركي، الذي يعاني أصلاً من تضخم وضغوط معيشية. ومع تزايد الإنفاق العسكري، قد تجد الحكومة نفسها أمام خيارات صعبة، بين تمويل الحرب أو الحفاظ على الاستقرار الداخلي.

هذه المعادلة الخطيرة قد تؤدي إلى اضطرابات أوسع، خصوصا إذا استمرت الحرب، دون نتائج واضحة.

أما على المستوى السياسي، فإن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى إعادة تشكيل الخريطة الحزبية داخل الولايات المتحدة. فقد نشهد صعود تيارات جديدة ترفض التدخلات العسكرية، وتدعو إلى التركيز على الداخل، في مقابل تيارات أخرى تدفع نحو مزيد من التشدد. هذا الصراع قد يضعف من تماسك الدولة، ويزيد من احتمالات الانقسام.

لكن هل يمكن أن يصل الأمر إلى "انفراط عقد" الولايات المتحدة؟ هذا السيناريو لا يزال بعيداً، لكنه لم يعد مستحيلاً كما كان في السابق. فالتاريخ يعلمنا أن القوى العظمى لا تسقط فجأة، بل تتآكل تدريجياً تحت وطأة أخطائها الداخلية، وتحدياتها الخارجية.

في النهاية، ما يقوم به ترامب قد لا يكون "بيروسترويكا" بالمعنى التقليدي، لكنه بلا شك يمثل نقطة تحول خطيرة في مسار الولايات المتحدة. فإذا لم يتم احتواء هذه الأزمات، فقد تجد واشنطن نفسها أمام واقع جديد، تفقد فيه جزءاً كبيراً من نفوذها العالمي، وربما تدخل مرحلة من إعادة تعريف دورها ومكانتها في النظام الدولي.

إنها لحظة اختبار حقيقية: إما أن تعيد الولايات المتحدة ترتيب بيتها الداخلي، وتستعيد توازنها، أو تمضي في مسار قد يقودها إلى تراجع تاريخي يغير وجه العالم لعقود مقبلة.

كاتب عراقي

آخر الأخبار