حديث الأفق
ملك قشتالة أقسم أن يسحق الأندلس لكنه هُزم فيها
اصطدم برجل من قلب الصحراء لا يعرف الخوف
تبجُّح ألفونسو: جيشي هذا يحارب الجن والإنس
حاول الغدر بابن تاشفين لكنه فشل وغادر مكسوراً
هرب إمبراطور أوروبا في جنح الليل مع مئة فارس
"الفاتح" مات فقيراً مجهولاً في أحد أزقة دمشق
طارق بن زياد الذي أحرق سفنه خلفه خذله قائده
هزم جيش القوط الذي كان أضعاف عدد جيشه
فاتح الأندلس ابتلعه النسيان لا أحد يعرف أين دفن
هل سمعت عن الملك الذي ظن نفسه يحارب الجن والإنس، وحتى ملائكة السماء، وأرسل رسالة تهديد طولها صفحات، فكان الرد عليه بثلاث كلمات فقط هزت أركان عرشه.
إنه ألفونسو السادس ملك قشتالة، الذي أقسم أن يسحق الأندلس، ويشرب من دماء حكامها، فاصطدم برجل قادم من قلب الصحراء المغربية، لا يعرف الخوف، هو يوسف بن تاشفين، زعيم المرابطين الذي لم يغرِه الملك، ولا الجاه.
ألفونسو السادس كان يرى نفسه إمبراطور كل إسبانيا، تجاوز غروره كل الحدود، عندما أراد أن يرسل رسالته إلى يوسف بن تاشفين، قال لقادة جيش ابن تاشفين: "جيشي هذا يحارب الجن والإنس، وحتى ملائكة السماء، ولو كان عندي سفن لعبرت البحر لأجتث جذوركم من أفريقيا نفسها".
كان يذل ملوك الطوائف في الأندلس، ويطلب منهم الجزية بوقاحة.
أرسل إلى يوسف رسالة إهانة طويلة، يتوعده فيها بعبور البحر
وغزو بلاده، فكان رد يوسف بن تاشفين عليه صاعقا في بساطته، إذ قلب ظهر رسالة ألفونسو، وكتب على ظهرها "الذي سيكون ستراه".
ثلاث كلمات فقط، كانت كافية لإعلان الحرب، فقد عبر يوسف البحر بجيش من الملثمين، الذين لا يهابون الموت، والتقى الجيشان في سهل الزلاقة.
حاول ألفونسو الغدر، إذ أرسل إلى يوسف يقول له: "غدا الجمعة عيدكم، والسبت عيد اليهود، والأحد عيدنا فلنتقاتل يوم الاثنين".
لكن يوسف بن تاشفين، الثعلب الصحراوي عرف أنها خدعة، فوضع جيشه في حالة استنفار كامل.
وبالفعل، هجم ألفونسو فجر الجمعة بكل قوته، لكنه اصطدم بجدار من الفولاذ، وبينما كان الجيشان يتقاتلان، عمل يوسف بن تاشفين على خطوة عبقرية، فقد التف بفرسانه خلف جيش ألفونسو، وأحرق معسكراتهم تماماً، دقت طبول المرابطين المرعبة، التي لم يسمعها الأوروبيون.
بدأ جيش ألفونسو ينهار تحت وقع ضربات الحرس الأسود، أصيب ألفونسو بطعنة نافذة في فخذه، جعلته يعرج طوال حياته. هرب إمبراطور أوروبا في جنح الليل، مع مئة فارس فقط، من أصل 60 ألف مقاتل، ترك خلفه كل كنوزه ودروعه، وعاد إلى قصره، وهو يدرك أن الأندلس ليست لقمة سائغة، طالما أن خلفها أسود المرابطين.
فيما أثبت يوسف بن تشفين أن القوة ليست في كثرة الكلام، بل بالفعل... "الذي سيكون ستراه"، جملة غيرت تاريخ الأندلسي لأربعمئة سنة إضافية.
فاتح إسبانيا مات فقيراً
القائد الذي فتح إسبانيا بأكملها مات فقيراً، مجهولاً في أحد أزقة دمشق.
طارق بن زياد الرجل الذي يقال إنه أحرق سفنه خلفه، وقال لجنوده: "البحر وراءكم، والعدو أمامكم"، الذي فتح الأندلس باثني عشر ألف مقاتل فقط، هزم جيش القوط الذي كان أضعاف عدده، وفي أشهر قليلة سيطر على معظم شبه الجزيرة الأيبيرية... بطل أسطوري، لكن ما لا يعرفه كثيرون، أن هذا البطل اختفى فجأة من الواجهة.
بعد الفتح العظيم استدعاه الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك إلى دمشق، هو وقائده موسى بن نصير، وكان السبب الرسمي ليكرمهما على الفتح، لكن الحقيقة كانت مختلفة تماماً.
خلف الكواليس، كان هناك خوف حقيقي، قائد أمازيغي له جيش ضخم، وشعبية هائلة على أطراف دولة أموية تهتز بالصراعات. بعض المصادر تلمح إلى أن موسى غار من طارق، واتهمه أنه عصا أوامره، وأنه استأثر بالمجد، فعزله وصادر أمواله وأذله علناً.
هنا يبدأ اللغز، فالمصادر التاريخية تصمت فجأة، إذ لا نعرف بالضبط ماذا حدث له، بينما بعض الروايات تقول عاش بقية حياته فقيراً منسياً في دمشق، ورواية أخرى تقول شوهد في أواخر أيامه يتسول الخبز أمام المساجد.
فاتح الأندلس العظيم ابتلعه النسيان، وإلى اليوم لا أحد يعرف أين دفن، ولا كيف مات، فهل هذه نهاية تليق ببطل غير التاريخ؟!