الاعتداء الإيراني على دول الخليج مدان بلا مواربة، ولا يجوز التردد في رفضه، أو تخفيف بشاعته، أو التهاون مع ما يمثله من عدوان سافر على أمن المنطقة، واستقرارها. لكن إدانة الاعتداء شيء، واستغراب تفاوت ردود الفعل العربية حياله شيء آخر.
فليس كل اختلاف عربي في اللغة، أو الأولويات، أو درجة التفاعل دليلاً على نقص في الإنصاف، أو ضعف في الانتماء، كما يحب البعض أن يصوره.
في جانب غير قليل منه، هو نتيجة لذاكرة سياسية، وإعلامية، عربية لم تُراجع كما ينبغي، وإرث من المواقف، والخطابات التي أضعفت، عبر الزمن، ثقة قطاعات عربية واسعة، في عدالة الموقف الخليجي، واتساقه.
ولا يصح أن نتعامل اليوم مع الذاكرة العربية وكأنها صفحة بيضاء. فمن حصار قطر في 2017، وما رافقه من تجريم التعاطف معهم، إلى معاقبة لبنان اقتصادياً وديبلوماسياً في 2021، إلى اتفاقات التطبيع التي رأت فيها قطاعات عربية واسعة تجاوزاً للإجماع الخليجي التقليدي، تراكمت لدى فئات عربية رسائل قاسية، تقول إن التضامن يُطلب منها حين نحتاجه، لكنه لا يُراعى دائماً حين تكون جراحها هي في الواجهة.
والخلل هنا لم يكن واحداً ولا بسيطاً. أحياناً ظهر في قرار سياسي، وأحياناً في خطاب إعلامي، وأحياناً في مزاج شعبوي سمح بالتعميم على شعوب عربية كاملة، أو بالتعامل مع مآسيها من موقع التوبيخ والتشفي، لا من موقع الإنصاف.
والمشكلة أن هذه الرسائل لا تنتهي بانتهاء ظرفها السياسي؛ بل تبقى كامنة في الوجدان، ثم تعود إلى الظهور حين تقع أزمة جديدة ونطلب فجأة من الجميع أن يصطفوا معنا بالدرجة نفسها التي نراها نحن بديهية.
ولذلك، فالإنصاف الحقيقي يبدأ بسؤال أنفسنا: ماذا فعلنا نحن بصورة الموقف الخليجي في الوعي العربي خلال السنوات الماضية، وهل فرّقنا دائما بين النظام وشعبه؟
وهل تجنبنا تحويل الخصومة السياسية إلى إهانة مجتمعات كاملة؟ وهل حافظنا على معيار ثابت في القرب والبعد، وفي الغضب والصمت، وفي من نستحق له التضامن، ومن نطلب منه التضامن؟
هذه الأسئلة ليست جلداً للذات، ولا تبريراً لإيران، ولا توزيعاً للمسؤولية بالتساوي بين المعتدي ومن اعتُدي عليه.
المسؤول الأول عن الجريمة هو من ارتكبها. لكن فهم محدودية الإجماع العربي حولها يقتضي أيضاً مساءلة البيئات السياسية والإعلامية التي ساهمت، عبر الزمن، في إضعاف الثقة وقابلية التعاطف.
وفي الخليج تحديداً، لا يجوز اختزال كل ما جرى في "انفلات إعلامي" عابر. فالإعلام، في كثير من الحالات، لم يكن منفصلاً عن المناخ الرسمي، بل كان امتداداً له، وتحرك داخل بيئة سمحت له، أو شجعته، أو استفادت منه. ولهذا، إذا كان المطلوب حقاً ترميم الحاضنة العربية، فلا بد من مراجعة النهج الذي أضعف هذا التضامن حين احتاجه غيرنا.
وأعرف أن هذا الكلام سيزعج من اعتادوا تأجيل المراجعة كلما اشتدت الأزمات، وسيقولون إن توقيته غير مناسب، أو إن فتح هذه الملفات الآن يربك الأولويات فيما التهديد خارجي.
لكن هذا الاعتراض نفسه هو جزء من المشكلة؛ لأن الخلل لا يتراكم إلا حين تُؤجل مراجعته في كل مرة باسم الظرف الاستثنائي، حتى يصبح الاستثناء هو القاعدة.
ومع ذلك، ورغم كل ما سبق، تظل خلافات البيت العربي، على قسوتها، قابلة للعلاج. فلا أحد يستطيع أن يقنعني بأن جراح العرب مع بعضهم بعضاً، مهما اتسعت، أعمق من أن تُراجع، أو أن ما فسد بين العواصم والشعوب لا يمكن ترميمه. لكن هذا الترميم لا يبدأ بالعتب على الآخرين، بل بالاعتراف الصريح بأن الثقة السياسية لا تُستعاد بالخطب، ولا بالاستنكار، ولا بذاكرة انتقائية.
فلا تطلبوا إجماعاً عربياً كاملاً ما دمنا لم نُراجع بصدق ما ساهم في تبديده. ولا تستغربوا تفاوت التعاطف ما دامت بعض السياسات والخطابات قد تركت في الذاكرة العربية ما يكفي من الندوب.
نعم، العدوان الإيراني مدان، لكن من يريد تضامناً عربياً أوسع في مواجهته، عليه أولاً أن يساعد في إعادة بناء الثقة العربية التي تصدعت قبل هذه اللحظة بسنوات.
وأكتفي بهذا القدر، لا تهيباً من الفكرة، بل إدراكاً أن بعض الحقائق تبلغ غايتها بأقل مما يُقال عنها.