مرايـا الروح
"كَفَى بالمرءِ كذِباً أن يحدِّثَ بِكُلِّ ما سمِعَ" (صحيح مسلم)
يوضح الحديث زجراً صريحاً عن التحديثِ بغير علمٍ، وتأكيدٌ على مسؤولية الإنسان في التحقّق مما يَسمع قبل أن ينقله، هو ليس حديثاً عابراً في ميزان الأخلاق، وليس شأناً هامشياً، إنما مبدأٌ يُحاسَب عليه كلُّ فردٍ منّا، بل تحذيرٌ صارم من جذرٌ فاسدٌ لا يشيخ، ويتجدّد بأدواتٍ أقدر على التسلّل.
فإن ينقل الإنسان كل ما يمرّ بأذنه، دون تثبّتٍ، أو عقلٍ أو مقصد، فذلك ليس سلوكاً منزّهاً او سليماً، بل هو انهيارٌ أخلاقيّ لا يكتفي بفتح أبواب الكذب، بل يمنحه شرعيّة العبور إلى العقول، وإن كان لم يقصد صاحبه.
ويأتي الحديث الجامع "كفى بالمرء كذباً أن يحدّث بكل ما سمع"، ليضع معياراً صارماً للمسؤولية اللفظية؛ فالكذب هنا لا يُقاس بنيّة الاختلاق وحدها، بل بنتيجة الفعل: نشر ما لا يُعلم صدقه، أو ما لا يُرجى نفعه، أو ما يُحدِث أذى. وهنا يتجلّى العمق: قد يكون الناقل صادق النية، لكنه كاذب الأثر.
قد يظنّ البعض أن الحديث عن الآخرين "للتبيّن فقط" مخرجٌ أخلاقي، غير أن التبيّن الحقيقي لا يكون عبر التداول، بل عبر الكفّ. فالسؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: هل ما سمعته صحيح؟ فقط، بل: هل يحق لي أن أرويه، وهل في نقله نفعٌ راجح؟
فالتبيّن فعلٌ داخليّ يحفظ المجتمع، أمّا الترويج فهو فعلٌ خارجيّ قد يهدمه.
الكلمة مسؤولية لا حريّة مطلقة، لا سيما في زمن يتكلم فيه الجميع قبل أن يفكّروا، تحوّلت الكلمة من أمانة إلى استعراض، ومن ميزان إلى أداة. يتحدّث الناس بدافع المشاركة، لا بدافع الحكمة؛ بدافع السبق، لا بدافع الصدق. وهنا تتآكل الثقة الاجتماعية، لأن المجتمعات لا تنهار بالكذب الكبير وحده، بل بسيلٍ من أنصاف الحقائق، وأخبار "قيل" و"يُشاع".
ولذلك جاء التوجيه الأخلاقي واضحاً في الحكمة التي تقول:"الصمت حكمة، وقليل فاعله". الصمت هنا ليس ضعفاً، بل وعياً؛ وليس انسحاباً، بل اختيارٌ أخلاقيّ يقدّم سلامة المجتمع على رغبة الفرد في الكلام.
فالاعتياد على نقل كل ما يُسمع يُنتج عقلاً مضطرباً، مهووساً بالتفاصيل، مستنزفاً بالفوضى، فاقداً للتمييز بين المهم والعابر. وعلى مستوى المجتمع، تتحوّل المجالس والمنصّات إلى ساحات تشويه، العبث بالحقيقة، ويصبح الاشتباه قاعدة، واليقين استثناءً، وتُصاب العلاقات بالهشاشة وانعدام الأمان.
المؤمن، كما قيل، ينتقي؛ لا يحدّث إلا بما ينفع، ولا ينقل إلا ما يَصْلُح، ولا يتكلم إلا حيث تكون الكلمة إضافة لا عبئاً. فالسكوت عمّا يُلوِّث المعنى خيرٌ من ترديده، وكتمان ما لا يَصلُح أبلغُ من تداوله، ولو تحت ستار الفضول أو الحرص.
ختاماً؛ ليس كل ما يُسمع يُقال، وليس كل ما يُقال يُبرَّر. فالكلمة حين تُنتزع من التثبّت تتحوّل إلى مفسدة، وحين تُفصل عن المقصد تتحوّل إلى انحرافٍ مُقلق. وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى أخلاق الكلام، لا إلى كثرة المتكلمين.
كاتبة كويتية