لن ننسى يوما أسود في تاريخ كويتنا الحبيبة، وهو يوم التفجيرات التي وقعت في 12 ديسمبر عام 1983، حين تعرضت البلاد لسلسلة من العمليات الإرهابية المنسقة، التي استهدفت منشآت حيوية وديبلوماسية من بينها السفارتان الأميركية والفرنسية، ومطار الكويت الدولي، ومحطة الشعيبة لتقطير المياه، إضافة إلى مجمع الاتصالات في المقوع، ومواقع أخرى حساسة، وذلك في محاولة لزعزعة أمن واستقرار الدولة، وبث الرعب بين المواطنين والمقيمين.
في ذلك اليوم تم توزيع عدد من ضباط المباحث على المواقع المستهدفة، حيث كنت ضمن الفريق المكلف بالتوجه إلى موقع السفارة الأميركية، التي كانت تقع على شارع الخليج العربي، مقابل فندق "هيلتون"، وعند وصولنا إلى موقع الانفجار كانت المشاهد مروعة، إذ خلف التفجير دماراً واسعاً، وخسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات، وقد تبين من المعاينة الأولية أن التفجير تم بواسطة شاحنة مفخخة، محملة بكميات كبيرة من المتفجرات انفجرت عند مدخل الموقع.
أسفرت التفجيرات عن سقوط عدد من الضحايا والمصابين، كما أن قائد الشاحنة الانتحاري تمزق إلى أشلاء نتيجة قوة الانفجار، وبعد جهود مكثفة، من رجال الأدلة الجنائية، تم العثور على جزء من اصبعه الإبهام، وبفحصه تم التعرف على هوية المنفذ، حيث تبين أنه يدعى رعد مفتن عجيل عراقي الجنسية، وينتمي إلى تنظيم مرتبط بـ"حزب الدعوة"، وبعد عمليات تحر واسعة، ومتابعة دقيقة، تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط باقي المتهمين المتورطين في هذه الجرائم، ومن أبرزهم جمال جعفر محمد علي المعروف لاحقا باسم "أبو مهدي المهندس"، إضافة إلى عدد من العناصر المرتبطة بتنظيمات موالية لإيران، وقد تمت محاكمتهم وصدر بحقهم أحكام قضائية بالسجن لفترات متفاوتة.
لقد جاءت هذه التفجيرات في سياق إقليمي متوتر، حيث كانت المنطقة تعيش على وقع الحرب العراقية- الإيرانية، وقد تأثرت الكويت بشكل مباشر بهذه الصراعات نتيجة موقفها الداعم للعراق، آنذاك، مما جعلها هدفا لأعمال إرهابية مدبرة، هدفت إلى الضغط السياسي، وإيصال رسائل عبر العنف. وتعد هذه الحادثة من أبرز صور تعرض الكويت للإرهاب إذ كشفت عن خطورة التهديدات، التي يمكن أن تواجه الدول المستقرة، بسبب الصراعات الإقليمية، كما أبرزت في الوقت نفسه كفاءة الأجهزة الأمنية الكويتية، وقدرتها على التعامل مع الأزمات، وتعقب الجناة، وتقديمهم للعدالة، لتبقى هذه الأحداث ذكرى أليمة، لكنها شاهدة على تماسك الدولة، وقوة مؤسساتها في مواجهة الإرهاب.
محام كويتي