عندما تقرأ التهديدات الإيرانية، تتخيّل أن الحرس الثوري بات على أبواب البيت الأبيض في واشنطن، وأن دونالد ترامب يستجدي دول العالم من أجل الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع طهران، مستسلماً دون قيد أو شرط.
هذه المكابرة، وكما ذكرنا في مرات ماضية، عادة فارسية، لكنها تخفي خراباً، وهزيمة منكرة، وبالتالي فإن الحرب ستضع أوزارها، وفق الشروط الأميركية، التي هي في الحقيقة شروط دولية، أساسها تغيير السلوك الهمجي الإرهابي الذي ساد طوال خمسة عقود، ومثل إزعاجاً متواصلاً لدول مجلس التعاون الخليجي، وشعوبه، وعرقل التنمية في الإقليم ككل.
ثمة الكثير من الإشارات إلى عدم وجود رأس حقيقي للنظام حالياً، بعد مقتل المرشد السابق علي خامنئي، ولذا بينما تتحدث وزارة خارجية طهران عن عدم وجود محادثات مع واشنطن، يعلن وزير الخارجية نفسه أنه يتلقى رسائل من المفاوض الأميركي ستيف ويتكوف، وهذا التضارب بدأ من اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لدول الخليج العربية، لكن لم تمر ساعات حتى قصف الحرس الثوري دول «التعاون»، وكأنه يقول «إن الأمر لي».
في الحرب العراقية - الإيرانية عاصرنا مثل هذا الوضع، بل أكثر من ذلك، وكانت الموجات البشرية الانتحارية الإيرانية على الحدود العراقية شبه يومية، ورغم ذلك تجرع في النهاية المرشد الأول للنظام الخميني السم، معترفاً بالهزيمة بعد مكابرة استمرت ثماني سنوات، وراح ضحيتها ما يزيد على مليوني قتيل من الجانبين، ونزح نحو خمسة ملايين، وبلغت التكلفة حينها 600 مليار دولار، وتدمير البنى التحتية للبلدين.
رغم ذلك، صحيح أن النظام الفاشي عمل على إقلاق الدول العربية كافة، وجعل من لبنان والعراق واليمن وسورية مأوى لعصابات إرهابية أفسدت في الأرض، لكن مع نهاية الحرب الحالية، لن يكون لكل تلك الأذرع أي وجود، فإذا كانت سورية تخلصت من ذلك النظام بفضل ثورتها، فإن لبنان على الطريق، ومن ثم العراق، وتالياً اليمن، وعندها ستكون المنطقة أكثر استقراراً.
في المكابرة الحالية لا يختلف الوضع عن الأمس، لكن الفارق أن الحرب لن تستمر كل تلك المدة الطويلة التي استمرت في الحرب العراقية- الإيرانية، بل النهاية قريبة جداً، فكل المؤشرات تدل على أن إيران أصبحت لا حول لها ولا قوة، وهي فعلاً تحتاج إلى 30 سنة كي تستعيد عافيتها، مع تغييرات كبيرة في النظام الذي بات أضعف بكثير مما قبل هذه الجولة.
هذه النتيجة واضحة للعيان، ورغم قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتحدثه عن النتائج في خطابه فجر اليوم، تبقى دول مجلس التعاون الخليجي المعنية الأولى في سيناريو اليوم التالي، لأنها المتضرر الأول من الأعمال الإرهابية الإيرانية طوال خمسة عقود، وهي تلقت كمية كبيرة من الصواريخ والمسيّرات، أكانت من إيران، أو من العصابات المدعومة منها في العراق، خلال الحرب الحالية، وبالتالي له الحق أكثر من غيرها بوضع الشروط للمرحلة المقبلة، ولخمسين عاماً مقبلة، أقلها التعامل مع نظام إيراني حضاري يراعي حُسن الجوار، ويدرك ماذا تعني العلاقات الدولية.
أضف إلى ذلك، إن الخسائر التي تكبدتها دولنا، المباشرة أو غير المباشرة، يجب أن تكون في صلب أي مفاوضات خليجية مع إيران، بعيداً عما تقرره الولايات المتحدة.