الجمعة 03 أبريل 2026
21°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
قشور الوطنية
play icon
كل الآراء

قشور الوطنية

Time
الخميس 02 أبريل 2026
عبدالعزيز محمد العنجري

لم يعد الخلل في الكويت هو المشكلة الوحيدة، بل صار التستر عليه جزءاً من المشكلة نفسها. فنحن نعاني من ثقافة تميل إلى تخفيف وقع الخلل بدل مواجهته، وإلى التعامل مع مجرد الإشارة إليه، كما لو أنها خروج على الواجب لا ممارسة له.

لذلك ينصرف الجهد إلى تأجيل المواجهة، وتخفيف اللغة، وإغراق الناس في سجالات جانبية، ثم نندهش بعد ذلك من تكرار الأخطاء، ومن عجزنا عن التقدم رغم كثرة الشعارات.

ومن أكثر ما أفسد وعينا العام تلك العبارة المستهلكة: "مو وقته".

"مو وقته" تنتقد هذا المسؤول.

"مو وقته" تدقق على غياب الرسالة الإعلامية.

"مو وقته" تراجع الأداء.

وهكذا ترسخت ثقافة كاملة عنوانها "ممنوع نقد المسؤولين وقت الأزمات". وكأن الأزمات زمن لتعليق المساءلة لا لتفعيلها، مع أن المنطق يقول العكس تماماً، فقيمة المسؤول لا تتضح إلا حين تضطرب الأمور.

وليس المقصود هنا التقليل من أهمية الجهد الميداني، ولا إنكار قيمة التطمين في لحظات القلق، فذلك كله مطلوب ومقدَّر. كما أن المقصود ليس تجاهل ما يصدر من بيانات رسمية، أو ما يُنقل عبر الناطق الرسمي، لكن الأزمات الكبرى لا تُدار بالبيانات وحدها. فهي تحتاج أيضاً إلى حضور مباشر لوزراء ومسؤولين معنيين يتحدثون إلى الإعلام المحلي، والعربي، والأجنبي، ويشرحون للناس ما الذي يجري، خصوصا ما الذي لا يزال محل قلق، كما تفعل دول أخرى، تدرك أن إدارة الأزمة لا تكتمل بلا خطاب سياسي وإعلامي حاضر، وواضح.

هناك أسئلة حيوية لا تجد جواباً واضحاً. فإذا كانت الكويت من أكثر الدول الخليجية انكشافاً في حال طال أمد الأزمة، بحكم أنها لا تملك، كما السعودية والإمارات، مساراً نفطياً بديلاً يتيح لها تجاوز مضيق هرمز، فأين الخطاب الرسمي المباشر الذي يشرح للناس ما الذي أُعدّ، وما الذي يُنتظر، وما هي السيناريوهات التي يجري التعامل معها؟

ومن جانب آخر، تُشير تقديرات دولية منشورة إلى قدرة تخزينية للقمح تقارب 150 ألف طن، بما يغطي بضعة أشهر في أفضل الأحوال. فماذا لو طال أمد الأزمة؟

وكيف تمر أزمة بهذا الحجم أكثر من شهر من دون حضور وزاري واضح، يشرح للإعلام وللرأي العام ما الذي يجري؟

ولعل ما يزيد الحاجة إلى هذا الحضور المباشر أن سمو رئيس مجلس الوزراء نفسه كان قد نبّه، في القمة العالمية للحكومات في دبي في فبراير 2025، إلى أن توجهات ترامب وقراراته ستكون لها ارتدادات على الاقتصاد العالمي. وإذا كان هذا الإدراك حاضراً على هذا المستوى، فمن الطبيعي أن ينتظر الناس انعكاسه اليوم في خطاب، وزاري وإعلامي، مباشر يشرح ما الذي أُعدّ، وما الذي يُنتظر.

إن ترك شرح موقف الدولة لأكاديمي، أو كاتب، أو باحث ليس تفصيلاً إعلامياً، بل علامة خلل سياسي وإداري. فهؤلاء يُقدَّر دورهم إذا أحسنوا الشرح، لكنهم لا يملأون الفراغ الذي يتركه غياب المسؤول، لأن المسؤول الذي لا يظهر في لحظة الأزمة لا يكون متحفظاً، بل يكون قد انسحب من أحد أهم أدواره. والدولة التي لا تشرح نفسها وقت الخطر، عبر مسؤوليها، لا تحافظ على هيبتها، بل تسمح بإضعافها. وعندما يغيب الصوت الرسمي، لا يبقى الفراغ محايداً، بل يتحول إلى مساحة للارتباك وتآكل الثقة واهتزاز صورة الدولة في الداخل والخارج.

الوطنية الحقيقية لا تعني الصمت عن القصور، ولا الاكتفاء بالتصفيق، ولا الاحتماء بقشور يسهل رفعها ويصعب الوفاء بها. بل تعني حماية الدولة من نتائج الخطأ، ومواجهة الخلل قبل أن يتحول إلى كلفة يدفعها الجميع.

آخر الأخبار