الثلاثاء 07 أبريل 2026
20°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الولاءُ التِزامٌ ضامِن
play icon
كل الآراء

الولاءُ التِزامٌ ضامِن

Time
الاثنين 06 أبريل 2026
د.جورج شبلي

الولاءُ، في اللّغة، يعني الوفاء، والإخلاص، والمناصرة، والتّأييد. وهو، في القاموس السياسي، مبدأ أخلاقي يشكّل محوراً لكلّ الفضائل الوطنيّة، أو هو الواجب الوطنيّ الرئيسي في جدول الواجبات جَميعها.

من هنا، يتخطّى الولاء المفهوم النّظري البحت، فلا يعود مجرّد دفاعٍ لفظيّ عن الوطن، بل يستوجبُ التّعبير عنه بالأفعال التي تُيَسِّر للبلاد تحقيقَ آمالها وأهدافها.

في هذا المجال، تُطرَحُ الإشكاليّة المِحوريّة التالية: هل يستحقّ الوطنُ الذي يجتمع فيه النّاسُ والثقافة والتّاريخ، أن يولِيَه ساكِنوه ولاءَهم؟

هنالك مَنْ يعتبرُ أنّ الانتماءَ الى وطنٍ لا يشكّل، بالضرورة، دليلاً أكيداً على الولاء له، فإنّ اقتناءَ بطاقة هويّة لا يعني، بالشّكل الحتميّ، أنّ حاملَها قد تولّدت عنده ثقافة التّرابط، أو نشأ عقدٌ بينه والوطن، لا تزولُ بنودُه بفِعلِ المصلحة، أو الظّروف، أو العَمالة. لذلك، فمعيارُ الالتزام بالولاء يتمظهرُ في السّلوك الذي يترجِمُ مشاعر الاعتزاز بالانتماء، ويصلُ الى حَدِّ القَبول بالتضحية في سبيل حماية الكيان، وسيادة الوطن.

لقد اعتُبِرَ الولاءُ أولويّةً في علاقة المواطنِ بوطنه، لأنّ الولاء هو القيمة العليا التي ينبغي أن تكون متحكِّمةً بوجدان النّاس، والسّلوكَ الحضاريّ الذي يجعلُ تآزُرَ المواطنين حيثيّةً فعليّة. إنّ التّماسكَ الوطنيَّ الذي يرسّخُه الولاء، يجعلُ الوطنَ مَنيعاً، وذا إمكانيّةٍ عظيمة لتحقيق أهدافه، وتطلّعاته، من رقيٍّ، وازدهارٍ، وأمنٍ مُستَتبّ، وحصانة.

"يكون الولاءُ مُطلَقا أو لا يكونُ أبدا"، ومعنى ذلك أنّ الخَلطَ بين الولاء للوطن، والولاء لمرجعيّاتٍ بديلة غريبة، هو اغتيالٌ موصوف لمفهوم الولاء الحقيقي. وهذا سلوكٌ خطير يُصَدِّعُ مكوّنات الوطن، ويدمّر أُسسَه، ومنظومتَه، ويطعنُ ثوابتَه لتحقيق الإخاء والاحترام المتبادَل، ويرسِّخُ كرامة الشّعب. إنّ ما يأتيه أصحابُ الولاءات الرّديفة، يشوِّه صورةَ الدولة التي اتّفقَ الناس على قِيَمها الجامعة، أي الحرية والأمن والعدالة، ويؤدّي، حَتماً، الى أتون الاضطرابات، والنّزاعات، والانقلاب على القانون. فاستبدالُ الولاء للوطن بالولاء لسواه، هو ضربٌ للاستقرار السياسي والأمني، والذي يعطِّل تلاقي شرائح النّسيج الوطني، ويعرّض البلاد لمواجهة فوّهة الخطر، والفتنة، ويغتالُ حقَّ الشّعب بالعيش الآمِن، ليحتملَ، مُكرَهاً، آثار الخيانةِ الكارثيّة.

إنّ الولاء للوطن هو تأكيدٌ صادقٌ للارتباط به، إخلاص ثابت، والتزام بعَهد، ونُصرة لكيان، ودعم مستمر للوحدة، وتأكيد للتماسكِ والمؤازرة، وذَود عن الهويّة...وهكذا، يكون الولاءُ قيمةً ترتكزُ على الإخلاص للوطن، والثّقةِ به، والإسهام في دَعمِ مصالحِه، وزيادة قدرته على مواجهة الأزمات، والصّمود في وجهِ ما يعرِّضُ استقرارَه للخَلل.

إنّ مَنْ يوالي غيرَ وطنِه، لمصلحةٍ باهتة، أو لأهداف مشبوهة، هو متصدِّعُ الوعي الوطني، وذو سلوكٍ أخلاقيٍّ مُلتَوٍ، لا يمكنُ اعتبارُه إلّا حالةً سلبيّةً تدميريّة منقلِبةً على الدولة وقوانينها، يرتكبُ جريمةً ترقى الى مرتبة العَمالة، والخيانة العُظمى التي تستوجبُ، حُكماً، النّبذَ وإنزالَ أشدّ العقوبات، ومن دون مسامحةٍ تحتَ أيِّ مُسَمّى.

وتبدو الخيانةُ، في دولة الكويت، في إنشاءِ خلايا تخريبيّة من المرتزقة، تسعى إلى ارتكاب أفعالٍ جرميّة وإرهابيّة، بقَصد زعزعة الأمنِ، وإشاعة الخوفِ والارتباك بين النّاس. ومَنْ يقومون بهذه الأعمال ليسوا سوى جماعةٍ من العصابات السريّة التي تُدارُ من خارجٍ إرهابي يشكّلُ، هو بالذّات، العدوَّ الحقيقيَّ لدولة الكويت، والمُهَدِّدَ الأولَ لأمنها وسلامة شعبها.

إنّ هذه الأخطبوطيّة الجرميّة، لا يقتصرُ وجودُها على الكويت، بقَدرِ ما يتّسعُ سوؤُها وتتنشرُ سمومُها على مساحة الدّولِ العربيّة، لا سيّما دُول الخليج العربي ولبنان.

من هنا، لا يمكنُ الوصولُ الى "وطنٍ نظيف" إلّا إذا كان خالياً من بطانة السّوء، واعتبار أفرادها من مرتَكِبي الذّنوب الكبيرة، لِما ينتج عن إرهابهم من ضررٍ وخطرٍ، ورعبٍ بَشِعٍ، وكأنّ شرعةَ قايين فرضَت طقوسَها على مساحة الآمِنين من النّاس، إجراماً همجياً على أيدي طُفّار الفظائع المفتونين بشهوة الدّم والقتل، وبثقافة السّكاكين.

يقول ابنُ خلدون:"إنّ الولاء الجماعيّ الذي يربط الأفرادَ داخلَ مجتمعٍ معيَّن، هو القوّةُ التي تشكّلُ أساسَ وجودِ هذا المجتمع واستمرارِه، في حين أنّ ضَعفَ الولاء يقودُ الى تفكّكِ المجتمع وانهيارِه". ما يعني أنّ الظّاهرة الصحيّة في الدّول، تبدو في غَلبة الولاء الذي يمدمكُ لوطنٍ سيّدٍ، قادر، قابضٍ على زمامِ قراراته ومواقفه، مُحَصَّنٍ بقادتِهِ المتفانين، وبشعبِه المُخلِص.

إنّ هذا الإخلاص هو الولاءُ بالتَّمام، والذي يُشبِهُ شجرة الزّيتون التي تعيشُ طويلاً.

كاتب وأستاذ جامعي لبناني

آخر الأخبار