عون: الوضع الأمني ممسوك ولا خوف من فتنة... والرئاستان الأولى والثالثة: لا تسوية بشأن سفير إيران
على وقع تصاعد حدة العدوان الإسرائيلي على لبنان، وفيما يواصل جيش الاحتلال تعميق تقدمه البري داخل الأراضي اللبنانية، فإن بيروت لا ترى أن إسرائيل قادرة على تحقيق ما تريده من خلال حربها الإجرامية التي تخوضها ضد اللبنانيين بذريعة إبعاد الخطر عن حدودها الشمالية، وقد دلت تجارب الحروب السابقة أن العنف لا يقود إلى أي مكان، وبالتالي فإن المدخل لإنهاء حالة الصراع القائمة بسلوك طريق المحادثات، على ما جدد الرئيس اللبناني جوزاف عون التأكيد عليه من بكركي بأن لبنان يدعو إلى بدء محادثات وفق المبادرة التفاوضية التي أعلن عنها، توازياً مع تأييده للحراك الفرنسي الذي يقوده الرئيس إيمانويل ماكرون لمساعدته في مواجهة التصعيد الإسرائيلي المستمر ضد الأراضي اللبنانية، وللوصول إلى وقف لإطلاق النار. وانطلاقاً من هذه النظرة للرئاسة اللبنانية، فإن الحرب استناداً إلى ما أكده مصدر وزاري بارز لـ"السياسة"، لن تؤدي إلى أي نتيجة عملية، بل ستزيد من معاناة الشعب اللبناني، ولذلك فإن التفاوض يبقى الحل الوحيد القادر على إعادة الأمن والاستقرار إلى المنطقة، وإزاء تعنت إسرائيل ورفضها التجاوب مع المساعي الديبلوماسية لوقف الحرب، فإن المخاطر برأي المصادر، تبدو مرتفعة من مغبة إقدام الاحتلال على إجراء تغيير ديمغرافي في منطقة جنوب الليطاني، من خلال تدمير القرى كلياً، سعياً لخلق أمر واقع جديد يصب في مصلحة جيش الاحتلال في أي محادثات مرتقبة بين لبنان وإسرائيل في المرحلة المقبلة.
وسط هذه الأجواء، ومع اتساع النقمة الخليجية على إيران وأذرعها العسكرية، وفي حين تستمر الدول الخليجية عرضة للصواريخ البالستية والمسيرات الإيرانية، فإنه ووفقاً لما حصلت عليه "السياسة" من معلومات من أوساط سياسية لبنانية معارضة لـ"حزب الله"، فإنه من غير المستبعد أن تتزايد وتيرة الضغوطات الخليجية على لبنان في مرحلة ما بعد الحرب، ضمن مسار عربي دولي، سعياً لإخراج "حزب الله" من الحكومة اللبنانية، بعد تحميله مسؤولية زج لبنان في حرب مدمرة من أجل مصلحة إيران التي لم توفر بلداً خليجياً من غدرها وعدوانها، وبالتالي فإن دول مجلس التعاون الخليجي تعتبر أن حزب إيران في لبنان يجب أن يدفع الثمن وحده، وعليه فإن الدول الخليجية تدعم أي مسار ديبلوماسي يؤدي إلى تثبيت الاستقرار، باعتباره أمراً إيجابيا، إذا كان يتم عبر الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، لكنها تعتبر أن المشكلة اليوم أن قرار الحرب والسلم لا يزال بيد "حزب الله"، وهذا ما يعقّد أي مسار تفاوضي، ولذا فإن اللبنانيين ينتظرون من دولتهم تنفيذ قرار حصر السلاح، وعندها تصبح فرص نجاح أي محادثات أعلى في مسار حماية السيادة اللبنانية ووقف تحويل لبنان إلى ساحة حرب دائمة.
وما يزيد خشية المسؤولين في لبنان، أن الولايات المتحدة لم تقدم لبيروت أي تصور واضح لمرحلة ما بعد انتهاء الحرب على إيران، وما إذا كانت إسرائيل ستلتزم بوقف عملياتها العسكرية ضد الأراضي اللبنانية، إذا تم التوصل لوقف إطلاق النار مع إيران، وهذا ما يثير الكثير من القلق لدى حكومة لبنان من مغبة أن يواصل جيش الاحتلال عدوانه وبشكل أكثر شراسة، في إطار سعيه لتدمير القرى والبلدات المحاذية للحدود من أجل إقامة منطقة عازلة على غرار ما كان قائماً قبل انسحابه من جنوب لبنان في مايو من العام 2000، في حين أن استمرار "حزب الله" في التورط في عدد من الخلايا التخريبية التي جرى اكتشافها في دول خليجية، من شأنه أن يترك انعكاسات بالغة السلبية على مئات آلاف اللبنانيين المقيمين في هذه الدول، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن هذا التورط في زعزعة أمن الدول الخليجية، ما هو إلا محاولة لتنفيذ مصالح إيران التي ضربت عرض الحائط مبادئ حسن الجوار مع الدول الخليجية.
وإذ تؤكد المصادر المعارضة لـ"حزب الله" أن لبنان أخذ قراره بعدم السماح لإيران مطلقاً، التدخل بشؤونه الداخلية، بعد القرار الذي اتخذه بحق سفيرها المعين لدى بيروت محمد رضا شيباني، وهو ما تبلغته بعثتها بضرورة احترام التقاليد الديبلوماسية وعدم تجاوزها بأي شكل من الأشكال، بعدما تمادى الديبلوماسيون الإيرانيون في تجاوز كل الأعراف والتقاليد المتعارف عليها، ما جعل قسماً كبيرا من اللبنانيين ينظرون إلى مقر السفارة الإيرانية على أنه مركز تابع للحرس الثوري الإيراني في بيروت، على غرار المراكز العسكرية التي يقيمها الفصيل المسلح على الأراضي اللبنانية، وبالتالي، فإنه لا مساومة برأي المصادر على أي قرار سيادي لبناني، وعلمت "السياسة" أن الرئاستين الأولى والثالثة أوصدتا الأبواب أمام أي محاولة لإيجاد تسوية تضمن بقاء السفير الإيراني في بيروت.
إلى ذلك، أكد الرئيس اللبناني جوزاف عون أن مسؤولية الحفاظ على الأمن مشتركة وتتطلب التنسيق الكامل بين المواطنين والجيش والأجهزة الأمنية والبلديات، مشدداً على أنه لن يسمح بحصول فتنة داخلية، مشيرا إلى أن الجيش نفذ عملية إعادة انتشار في بيروت ومناطق أخرى، وسيكون أكثر حضوراً مع قوى الأمن الداخلي وباقي الأجهزة مع التشدد أكثر في فرض الأمن لطمأنة المواطنين الآمنين في منازلهم، مؤكدا أن الوضع الأمني الحالي ممسوك ولا خوف من فتنة أو فلتان أمني داخلي، وما يحصل من مشاكل محدود وتتم معالجته بالسرعة اللازمة، إلا أن هناك من يركز على البناء على الخوف من الفتنة المذهبية خدمة لمصالحه، لكن الظروف الحالية مغايرة لما كانت عليه في السابق، مشيرا إلى أن الوعي شامل من قبل الشعب والمسؤولين السياسيين والروحيين، لأن لا قدرة لأحد أن يحتمل الفتنة الداخلية، وهناك قرار بقطع يد كل من يحاول أن يمدها إلى السلم الأهلي.