الهدنة الحالية التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، جاءت رحمةً للشعب الإيراني، وهي تدل على مدى قدرة الولايات المتحدة، كقوة عظمى، على فرض شروط على الدول المارقة، كإيران، التي تبجّحت طوال 38 يومياً بقدرتها على فرض شروطها، لكنها حين شعرت أن التهديدات جدية، وافقت على المطالب الأميركية صاغرة.
رغم ذلك، ومهما كانت تفاصيل المفاوضات، فإن ما كتب قد كتب بالنسبة إلى مستقبل إيران، الضعيفة المعزولة، غير القادرة على التأثير في المنطقة، وهو ما يزيد من ضعفها على المستوى الداخلي، لأن الشعب لم يقبل بعد اليوم بأي مغامرات طائشة ترفع من فقره، وعدم قدرته على العيش بأمان ورخاء.
ففي الأيام الماضية من الحرب، أدركت طهران أن العالم كله ضدها، حتى من تسميهم "حلفاء" اكتفوا بالبيانات الديبلوماسية، التي لا تغني ولا تسمن، في المقابل كانت العواصم كافة تؤيد القرارات التي اتخذتها واشنطن.
إن هذا الموقف الدولي سببه الأساس أن هناك دولة لديها خطة، وقراراً، بينما في المقابل إيران كانت عاجزة عن اتخاذ أي قرار جراء تعدد الرؤوس فيها، فهي منذ 28 فبراير الماضي كانت بلا رأس، ولقد اتضح ذلك في السابع من مارس الماضي، عندما اعتذر الرئيس الإيراني من دول الخليج، لكن في المقابل كان للحرس الثوري رأي آخر، فقصف في اليوم نفسه تلك الدول، وتعددت التصريحات من قادة النظام، وكل واحد يغني على ليلاه.
طهران حالياً، التي تسوق إلى انتصارها على الولايات المتحدة، هي في الواقع ليست أكثر من بوق تحاول تضخيم الصوت للاستهلاك الداخلي، ومحاولة امتصاص النقمة الكبيرة على النظام.
بينما في المقابل، تخلت إيران عن أذرعها التي كانت تهدد بها المنطقة، فلا هي استطاعت إغلاق مضيق باب المندب، ولا هي أوقفت الحرب الإسرائيلية على لبنان، بل خضعت للشروط الأميركية بفتح مضيق هرمز، ولن تكون لها القدرة مرة أخرى على إغلاقه، لأن العالم المتضرر اقتصادياً من ذلك لن يسمح لها، ولقد بدأت الدول باتخاذ إجراءات فورية من أجل ذلك.
في الجانب الآخر، خليجياً، أثبتت هذه الحرب مدى أهمية قوة دول "مجلس التعاون"، ليس فقط للاقتصاد العالمي، بل أيضاً قدرتها على التحمل والتصدي للأعمال الإرهابية الإيرانية، والعصابات التابعة لطهران، وكيف يمكنها التكيف مع الأوضاع الحساسة، ولا شك أن ذلك يجعلها اللاعب الأساسي في المرحلة المقبلة، وهي المعادلة الجديدة، التي لم تكن في حسبان النظام الإيراني.
إن التغيرات الكبيرة التي حدثت في الأيام الماضية بالنسبة لإيران جعلتها تعيد حساباتها كلياً، ليس فقط بالنسبة للعلاقة مع الولايات المتحدة، إنما بالنسبة لدول الخليج، وكذلك العالم أجمع، لأن الوضع تغير كلياً، وكما قلنا سابقاً حين تصل الأمور إلى تهديد وجود النظام يخرج علينا قادته، ويعلنون أنهم يتجرعون كأس السم، وها هم اليوم يكررون اللحظة الفاصلة التاريخية عام 1988، والتي فيها اعترفوا بالهزيمة حين قال الخميني، يومها حرفياً: "أتجرّع كأس السُّم المُلوّث بقبول القرار، وأشعر بالعار".
لذا، فإن النظام بدأ يلفظ أنفاسه، وإذا أخذنا بعين الاعتبار النتائج التي تركتها سياسة حكم الملالي الاجتماعية والثقافية خلال العقود الخمسة الماضية على الدولة ككل، وعمليات التمييز بين المكونات العرقية والطائفية، فلا شك أن ذلك سيجعل الانفصال مطلباً أساسياً في إيران الجديدة.