ان الابتلاءات موكلة بالإنسان، يقول الحق تبارك وتعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ"
(سورة البقرة، آية: 155-157).
دعوة إلهية بأن البلاء سنّة ماضية، لا تُفارق حياة الإنسان، لكن الفارق يكمن في كيفية استقبال تلك البلاءات. فالإيمان الراسخ يجعلها مصدر قوّة لا ضعف، ونقطة انطلاق لا انكسار، ومساحة للتشافي الروحي والنفسي، بدل أن تكون مدخلاً للاعتلال النفسي.
ومن منظورٍ قرآني، فإنّ النفس البشرية قادرة على استقبال الاعتلال النفسي أثر البلاء بمراحل: فالأولى استقبال إيجابي يعزز البناء النفسي من خلال الصبر واليقين.
والثانية اضطراب نفسي عرضي تلحقه آثار فسيولوجية مزمنة، وذلك يعتمد على قوة البيئة الحاضنة للفرد. فإن كان الفرد ضعيف الإيمان، أو كانت بيئته الإيمانية والاجتماعية هشة، خصوصا إن كان طفلاً، أو تحت الوصاية، فإن الاعتلال النفسي يطرق بابه بسرعة، وتبدأ الأعراض الاضطرابية بالظهور، وربما تتقدم ليصبح مرضاً نفسياً راسخاً مع الزمن.
ولكن… هل الحرب والظروف الحالية بالضرورة تهديد لنفسية الطفل، أم يمكن أن تكون فرصة لتوجيهه تربويا وإيمانيا يعزز قوته؟
الإجابة، إن التجارب القاسية ليست دائماً مصدر هدم، بل قد تكون مصدر بناء. فالطفل الذي يجد حوله بيئة واعية، تُشعره بالأمان، وتعلّمه معنى الابتلاء، وتحيطه بالدعم الإيماني والعاطفي، وترسيخ التوكل على الله بكل أموره، نجد ذلك يساهم في برمجة جهازه العصبي بشكل أكثر قدرة على الصمود.
بل إنّ الظروف الصعبة قد تنمي فيه مهارات التكيف، والاعتماد على النفس، وقوة الايمان، وتبني شبكته، الاجتماعية والإيمانية، بصلابة أعلى من طفل لم يختبر شيئاً بالمثل. وهذا نجده كخير مثال بأطفال غزة رغم الخوف الشديد من القصف، الذي لا نقارن به، إلا أن كثيرهم لديه ثبات بسبب المحيط الأسري الذي يدعمه بالإيمانيات الثابتة.
فالوالدان هما المهندسان الوراثيان في تشكيل الأبناء؛ فما يصدر عنهما من مشاعر ايمانية ثابتة، وراسخة، يُشكّل جزءاً أساسياً من برمجتهم العصبية، ويؤثر بصورة مباشرة في اتزانهم النفسي وسلامهم الداخلي.
وفي ظل الظروف التي يمرّ بها أبناء الكويت والخليج عموماً من اعتداءات عدوّ غاشم، فإن المسؤولية التربوية تتضاعف؛ فلا يكفي فقط إخفاء مشاعر الخوف عن الطفل، بل يجب كذلك تجنّب تداول الأخبار المقلقة أمامهم، وبناء مساحة آمنة تحتويهم.
وكذلك إشغالهم بأنشطة نافعة داخل المنزل، توجّه طاقتهم نحو الحيوية، والحركة، والإبداع، بدلاً من الانكفاء والجمود، لذلك ليبقى وعيهم محافظاً على توازنه، ومحافظة روحهم على قوتها.
إنّ البلاء امتحان، لكنه أيضاً باب ارتقاء. والحرب مهما اشتدت قسوتها، فإنها لا تطفئ نفساً يحميها اليقين، ولا تضعف طفلاً تمتد حوله بيئة إيمانية واجتماعية قوية. فبقدر صلابتنا النفسية أمام أطفالنا… بقدر ما يخرجون من الشدائد أصلب قلبا، وأصفى روحًا، وأعمق وعياً.
كاتبة كويتية