هل طهران صادقة في موقفها من الهدنة؟
هذا السؤال كانت الاجابة عنه واضحة منذ الساعات الاولى للاعلان عن الهدنة، ففي حين التزمت واشنطن وتل ابيب بذلك، سرعان ما قصف الحرس الثوري بعض دول المنطقة، وهدد بعدم فتح مضيق هرمز، وربط ذلك بأن الجبهة في لبنان لم تتوقف.
من يعرف الذهنية الفارسية يدرك أن العهود الإيرانية مجرد كسب للوقت، حتى في التجارة والعلاقات العامة، وبالتالي فإن المفاوضات ليست إلا محاولة للاستعداد لجولة حرب ثانية، أو بالحد الأدنى ترميم ما يمكن ترميمه من النظام، استباقاً للأحداث الداخلية، وإما لها مآرب أخرى تتضح مع الأيام.
إن الحسابات الإيرانية مختلفة جداً عما يسود في واشنطن وتل ابيب، وكذلك في دول المنطقة الخليجية التي هي أكثر المتضررين من الحرب الأخيرة.
لقد خبر الخليجيون الثقافة الفارسية زمن التاريخ، ولهذا حين حذروا من عدم الحسم في الحرب الحالية، كانوا يدركون ماذا تعني الهدنة عند الفارسي، وانه لن يعمل بها، لذا هو يحاول التنصل منها، مرة بزعم أن الاتفاق يتضمن لبنان، وأخرى أنه لا نضمن دول الخليج، وغيرها.
ولقد لوحظ امس أن التصريحات الإيرانية للمسؤولين، مهما تنوعت مفرداتها، تصب في عدم الالتزام بالاتفاق، لذا يحاول النظام الإيراني الخروج منه، لكن برمي التهمة على الأميركي أو الإسرائيلي.
لذا، كان تصريح نائب الرئيس الأميركي أول من أمس واضحاً، وهو "إذا كانت إيران تتحجج بالخروج من الاتفاق بسبب لبنان، فهذا شأنها، فلبنان لم يدخل في الاتفاق، وتعرف جيداً إيران ذلك".
إن هذا الكلام الواضح من نائب رئيس الولايات المتحدة، لا يمكن تأويله على غير حقيقته، ولذا عملت طهران على إشاعة أن الاتفاق يشمل لبنان، في محاولة لذر الرماد في عيون الأذرع التابعة لها، والمعروف أنه حال ربحت تلك الأذرع المعركة ستكون طهران شريكة بها، وإذا خسرت فستتنصل منها.
هذه الحقيقة عرفها العالم في العام 2006 حين شن حسن نصرالله هجمات على إسرائيل، بزعم تحرير أسرى لبنانيين، وحينها أسر جنديين إسرائيليين، لكن عندما رأى رد الفعل الإسرائيلي، والدمار الهائل يومها، وعدد الضحايا من اللبنانيين قال عبارته الشهيرة: "لو كنت أعلم لما أمرنا بهذه العملية".
اليوم خليفته نعيم قاسم، القابع تحت سابع أرض، عمل على سلوك الطريق نفسه إذ حين بدأت الهجمات الإسرائيلية- الأميركية على إيران، أطلق بعض الصواريخ من لبنان، لكن عندما رأى رد الفعل الإسرائيلي، والضحايا من البيئة نفسها التي ينتمي اليها، رمى التهمة على الحكومة اللبنانية وأنها لم تعمل على انقاذ اللبنانيين، أي تنصل من جريمته ضد اللبنانيين.
في الأمثال يقال إن "من عاشر القوم أربعين يوما، إما أصبح منهم، وإما رحل عنهم"، فكيف الأمر مع من التصق بالنظام الإيراني منذ 44 عاماً، وقال، ويقول دائماً إن دعمه كله من إيران، سيكون شبيها بالفارسي في السلوك والطبائع، وأُلْعُوبة بيد مشغّله، وطالما أن الإيراني لا يزال يستفيد من هذه الدمية، فذلك يعني الاستمرار بالاستثمار فيها، حتى لو كان في الإعلام.
رغم ذلك، غداً ربما تعقد أول جلسة محادثات مباشرة بين الأميركيين والإيرانيين في إسلام آباد، وسنرى الكثير من المماطلة الإيرانية، بينما الحقيقة الوحيدة الواجب أن تكون أمام المفاوض الأميركي هي أن الحسم هو الحل الوحيد، فالنظام الإيراني مجرد ضرس مسوّس يجب خلعه، لا أكثر ولا أقل.