قال الشاعر: أَسَدٌ عَلَيَّ وَفِي الْحُرُوبِ نَعَامَةٌ...
ولعل هذا المعنى لا يبدو بعيداً عن بعض الخطابات العربية اليوم؛ تشتد حيث تقل الكلفة، وتصمت حيث تكون المواجهة أصعب.
أفهم من يطالب من إخواننا العرب بخروج القوات الأميركية من الخليج. هذا طرح يمكن مناقشته بجدية في سياق التوازنات. لكن المشكلة ليست في الرأي، بل في الانتقائية التي ترافقه.
ما لا يمكن فهمه هو هذا الصمت تجاه واقع قائم، في بعض الدول العربية، رغم كل ما يُقال عن إسرائيل في الخطاب العام. فمن يعتبر أميركا وإسرائيل عنوانين للهيمنة والاختراق، يفترض به، منطقياً، أن يبدأ بالأقرب إلى سيادته، والأشد مساساً ببيئته المباشرة.
أما أن يشتد خطابه على وجود عسكري أميركي في دول خليجية لا يجاورها أصلاً، ثم يصمت عن وجود إسرائيلي في بلده، أو حتى جواره، فذلك خلل صريح في ترتيب الخصومات والأولويات.
والمسألة في بعض الدول العربية لم تعد تقف عند حدود سفارة إسرائيلية مفتوحة، أو معاهدة معلنة، بل تجاوزت ذلك إلى غاز إسرائيلي يُشترى، وكهرباء تُبادل، ومياه تُقايض، واستثمارات تُنسج، وعلاقات تجارية تتمدّد، ومنتجات إسرائيلية تُباع في أسواقهم، وتزاحم المنتج المحلي.
أما الشعوب، فليس لها من هذا كله إلا الخطاب. وبعد كل ذلك، يخرج من يزايد على الآخرين في المبدئية. وهذا ليس اختلافاً في الرأي، بل خلل في المعيار.
الأمر هنا ليس مقارنة ميكانيكية بين ملفين متطابقين، بل مقارنة في مستوى الكلفة والجرأة، فإغلاق سفارة أو خفض تمثيل ديبلوماسي، مهما كانت تبعاته، يظل أقل تعقيداً من تفكيك بنية، عسكرية وأمنية كاملة، بُنيت عبر عقود في الخليج. ومن يطالب غيره بالأصعب، ثم يتحاشى الأسهل في بيئته، لا يتحدث من موقع مبدئي، بل من موقع انتقائي. ومن لا يفعل الأقل، لا يملك أن يزايد في الأكثر.
وإذا سلّمنا، من باب الجدل، بأن الصمت الطويل من بعض العرب تجاه الوجود الإسرائيلي في بلدانهم، هو قبول بالأمر الواقع، فإن الحجة تضعف من أساسها. لأن من يتعايش مع هذا الواقع، أو لا يعترض عليه علناً، يصعب عليه أن يقدّم نفسه وصياً أخلاقياً على غيره.
منذ وعينا على هذه الدنيا ونحن نسمع المزايدات العربية نفسها؛ عربي يرفع السقف على عربي، ثم يعجز عن مطالبة دولته بعُشر ما يطالب به غيره. يسأل الآخرين: «لماذا تسمحون بكذا»؟ لكنه لا يجرؤ أن يسأل حكومته السؤال نفسه.
في النهاية، ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من المزايدات. فالمزايدات كثيراً ما تكون نتيجة لخلافات عربية لم تُحسم، وملفات أُجّلت مراجعتها، وفجوة بين الخطاب، السياسي والإعلامي، في أكثر من ساحة عربية، وبين ما تختزنه ذاكرة الشعوب من جروح، وانعدام ثقة.
لذلك، فإن الخلل لا يُعالج برفع السقف على الآخرين، بل بمراجعة أكثر صدقاً لما اختل في الخطاب العربي، في الخليج كما في غيره، على مستوى المعايير والأولويات والمواقف. وما نحتاجه اليوم ليس أن يواصل كل طرف إلقاء العبء على الآخر، بل أن تبدأ المصارحة من كل طرف بنفسه أولاً.