دول الخليج كان يجب أن تكون هناك
طوال 47 عاماً، كانت دول الخليج في عين العاصفة الإيرانية، ولقد تعاملت مع الأمر بالحكمة، مراعية حُسن الجوار، رغم أنها تعرّضت للكثير من الهجمات، السياسية والأمنية والإرهابية، طوال تلك السنوات، ولم يكن ذلك دليل ضعف، كما اعتقد النظام الإيراني، الذي استمر في الغطرسة.
ففي الحرب الأخيرة، كانت دول الخليج كافة الهدف الأول له، رغم أنها رفضت استخدام أراضيها لشن الهجمات الأميركية عليه، لكن منذ الدقائق الأولى بدأ عدوانه، وفي هذا الشأن لن نكرر الحديث عن نواياه، فهذا معروف للقاصي والداني.
المهم، إن دول "مجلس التعاون" كشفت عن حجم الأضرار التي نتجت عن الهجمات الإيرانية، أو تلك الآتية من ذيول نظام طهران، وهي المرة الأولى التي تكشف هذه الدول عما تكبدته جراء العدوان، لذا عليها اليوم أن تطالب إيران بدفع التعويضات عن تلك الخسائر، بل أكثر من ذلك، ثمة خسائر غير مباشرة، على طهران دفعها، لأن تخريب اقتصادات الدول ليس لعبة، والباحث في تفاصيل المخطط يدرك سريعاً أنه ممنهج لإضعاف دولنا، مالياً واقتصادياً.
إن ما تكبدته دولنا، وفي ظل الركود الذي أصبح يعاني منه العالم، الذي لا يمكن التخلص منه بسهولة، إذ من الممكن أن يستمر لسنوات عدة، فإنه يكبح دورة التنمية لكل دولة، وعلى مستوى "مجلس التعاون"، وبالتالي فإنه يؤثر في العالم العربي، والعالم كله.
لا شك أن النظام الإيراني عمل منذ العام 1979 على جعل دول الخليج مساوية له في الفقر والتخلف، أو بالأحرى كان يريد جعلها تابعة له، على غرار ما فعله في لبنان منذ العام 1984، وفي العراق بعد عام 2003، واليمن بعد ما سمي "الربيع العربي"، لأن نظريته السياسية قائمة على التثوير الشعبي ضد الأنظمة، وبالتالي جعل الدول عديمة القوة، وعدم القدرة على التصدي، ما يمهد للإمساك بقرارها.
لقد فشل في ذلك مع دول الخليج المنسجمة مع ذاتها ومجتمعاتها، وعلاقاتها راسخة مع دول العالم كافة، وبالتالي من الصعب التأثير فيها، كما كان يتخيل نظام الملالي، لهذا كان انتقامه شديداً منها، وبهذا الحجم الكبير، لا سيما تدميره المرافق المدنية والاقتصادية.
لذا، إن المحاسبة عن ذلك لا يمكن التغاضي عنها، فالشعوب التي تضررت لها الحق في المطالبة بالتعويض، هكذا كان بعد الحرب العالمية الثانية، إذ دفعت ألمانيا تعويضات للدول التي تضررت من هجماتها عليها كافة. كذلك اليابان، إذ عوضت الدول المجاورة عما تكبدته من خسائر، أكان بفعل الاحتلال أم الحرب.
أما أقرب مثال، ولا يزال حاضراً في ذاكرة الناس، هو غزو صدام حسين للكويت في العام 1990، والخسائر التي تسبب بها لنا، ولقد أقرّت الأمم المتحدة تعويضات كان يدفعها العراق حتى الأمس القريب.
اليوم ثمة هدنة بين الولايات المتحدة وإيران، ورغم أن دول الخليج التي تضررت كثيراً كان من الأولى أن تكون شريكاً أساسياً في طاولة الحوار، كي تكون مطالبتها بالتعويضات أولاً، وصياغة العلاقة مع إيران بعد هذا العدوان ثانياً، إلا أن ذلك لم يحدث حتى اليوم.
لكن الوقت لم يفت بعد، لا سيما أن استمرار العدوان الإيراني على دول الخليج لا يزال مستمراً، لذا من المهم أن تكون عواصم "مجلس التعاون" موجودة على طاولة المفاوضات، لأنها المعنية الأولى في كل ما يدور في إسلام آباد.