الاثنين 13 أبريل 2026
27°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
لا 'تسوية' مع إيران بل 'تهدئة موقتة' تعيد إنتاج الصراع ولا تعالجه
play icon
المحلية

لا "تسوية" مع إيران بل "تهدئة موقتة" تعيد إنتاج الصراع ولا تعالجه

Time
الأحد 12 أبريل 2026
عبدالعزيز العتيبي
مأزق الستراتيجية الإيرانية... حين يُعيد الأمن إنتاج الأزمة
إيران وإسرائيل حالتان متماثلتان... كلتاهما تُبرر لنفسها "سياسات استباقية" خارج الحدود
استمرار الدول في الحروب مرهون بقدرتها على تمويل وارداتها الحيوية... ودول الخليج أقدر على "شراء الزمن"
خصوصية الكويت التاريخية في "الوساطة" تمنحها قدرة على أداء دور ديبلوماسي في الأزمة
دول الخليج تقدّم نموذجاً يقوم على تغليب الاستقرار والانخراط في الاقتصاد العالمي... بدلاً من تصدير الأزمات
إطالة أمد الصراع قد تحوّل ميزة "التعطيل" الإيرانية عبئاً ذاتياً يعمل ضدها لا ضد خصومها
الانقسام الدولي يوسّع هامش المناورة الإيراني ويتيح لطهران قدرة على إدارة الأزمة بدلاً من حلّها
ستراتيجية نقل الأزمات وتوسيع المجال الأمني على حساب الإقليم تضع المنطقة والعالم في توتر متكرر
إيران ترى نفسها في بيئة غير موثوقة وبلا حلفاء... لذلك تُبرر توسيع مجالها الأمني باللجوء إلى "الدفاع المتقدم"

بقلم: عبدالعزيز العتيبي

في خضم التصعيد الإقليمي الأخير والاعتداءات الإيرانية على الخليج، يكثر الحديث عن إيران: هل هي نظام أيديولوجي مأزوم؟ أم دولة تسعى إلى البقاء بأي ثمن؟ غير أن هذا السؤال، بصيغته المبسطة، يضلّل أكثر مما يهدي. فإيران اليوم لا يمكن فهمها إلا بوصفها دولة أمن قومي، ترى العالم من زاوية التهديدات، وتبني سياساتها على هذا الأساس قبل أي اعتبار آخر.

هذه الرؤية الأمنية ليست طارئة، بل هي نتاج تاريخ طويل من الصدمات والتدخلات التي عزّزت الشك العميق في النظام الدولي وزرعت قناعة راسخة بأن الاعتماد على الخارج مخاطرة وجودية. من هنا، لا تبدو "المقاومة" مجرد شعار أيديولوجي، بل إطار يُستخدم لتبرير سياسات توسعية تحت غطاء البقاء. ومن هذا المنظور، يمكن فهم سلوك النظام الإيراني في الإقليم، بما في ذلك تجاه دول الخليج. فإيران، كما ترى نفسها، تتحرك في بيئة غير موثوقة، بلا حلفاء دائمين، وهو ما يُستخدم لتبرير توسيع مجالها الأمني عبر ما يُعرف بـ"الدفاع المتقدم" و"العمق الستراتيجي"، أي نقل التوترات إلى خارج الحدود عبر أدوات غير مباشرة وشبكات نفوذ. وهنا تتكوّن حلقة مفرغة: عقيدة تفترض التهديد الدائم فتنتج سياسات توسّع وتصعيد، وهذه السياسات بدورها تعيد تأكيد تلك العقيدة وتغذّيها.

تشابه العقيدتين

وهنا، تبرز مفارقة مهمة: إذ تشترك الحالة الإيرانية، من حيث منطقها الأمني، مع الحالة الإسرائيلية أكثر مما يظن عادة. فكلاهما ينطلق من إدراك عميق للهشاشة الجغرافية أو الستراتيجية، ويحوّل هذا الإدراك إلى عقيدة تُعيد تفسير العالم بوصفه مجال تهديد دائم، وتبرّر سياسات استباقية أو ممتدة خارج الحدود. غير أن هذا التشابه يظل محدودًا، ولا يعكس تماثلًا في الأدوات أو الموقع الدولي؛ إذ تعتمد إيران بدرجة كبيرة على شبكات من الفاعلين غير الدوليين، كالميليشيات، والحروب غير المباشرة، بينما تقوم العقيدة الإسرائيلية على التفوق العسكري المباشر والضربات الاستباقية ضمن بنية تحالفية غربية راسخة، وإن كانت تهتز مؤخراً. كما أن الأولى تميل إلى منطق الاستنزاف والصبر الطويل، في حين تركز الثانية على الردع الحاسم و السريع. ومع ذلك، فإن أوجه التشابه في منطق التهديد تكفي لإنتاج آلية تصعيد متبادل، حيث يعيد كل طرف إنتاج مخاوف الآخر وتأكيدها، بما يجعل الصراع بينهما ليس مجرد تعارض مصالح، بل تفاعلًا بين عقيدتين أمنيتين متشابتهين في المنطقلات متصادمتين في الممارسات.

معادلة الردع

بالنسبة لدول الخليج، وبالأخص الكويت، تظهر هنا معادلة معقّدة. من جهة، ترى طهران أن أراضي الخليج تُستخدم، عسكريا أو استخباراتيا، ضدها، ما يجعل هذه الدول جزءًا من التهديد من وجهة نظرها. ومن جهة أخرى، ترى دول الخليج نفسها في موقع دفاعي، تنفي هذه الاتهامات وتؤكد على سيادتها. وإذا كان المشهد العام يوحي بأن إيران تتحرك في موقع رد الفعل، فإن التطورات الأخيرة تكشف تحوّلًا أعمق في ميزان المبادرة. فمع قدرتها على تعطيل أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز، انتقلت طهران من موقع التقييد إلى موقع صناعة الأجندة. بل إن هذه النقلة تذهب بالسلوك الإيراني من مجرد كونه تهديداً للملاحة إلى محاولة استخدام الممر الدولي نفسه كأداة ضغط سياسي واقتصادي.

غير أن هذه القدرة على فرض الإيقاع لا تعني بالضرورة القدرة على تحمّل الزمن. فالمفارقة أن الاستراتيجية الإيرانية، وإن كانت تميل في أصلها إلى منطق الاستنزاف وطول النفس، إلا أنها في لحظات التصعيد الحاد تعتمد على أدوات صُمّمت لإحداث صدمة سريعة ورفع الكلفة فورا، لا لإدارة حرب تقليدية ممتدة على الوتيرة نفسها. ذلك أن طهران، رغم امتلاكها أدوات تعطيل فعّالة، لا تتشابه نقاط ضعفها الهيكلية مع تلك التي تواجهها دول الخليج: فهذه الأخيرة أكثر عرضة لابتزاز البنية الساحلية والممرات الحيوية، بينما تواجه إيران ضغوطًا من نوع آخر، أبرزها محدودية قدرتها على امتصاص الانقطاعات الطويلة. وعليه، فإن إطالة أمد الصراع قد تحوّل ميزة التعطيل الإيرانية إلى عبء ذاتي، حيث تبدأ الكلفة التراكمية في العمل ضدها بدلًا من خصومها.

تصحيح زاوية النظر

وعلى صعيد آخر، لم تعد أدوات التأثير التقليدية لدول الخليج تُترجم إلى نفوذ سياسي بالكفاءة نفسها في ظل الاضطراب الحالي. وبدلًا من ذلك، برزت أدوات أخرى أكثر مباشرة: التحكم في المجال العملياتي للقوى الكبرى، والتعرّض المباشر للمخاطر، إضافة إلى القدرة على الوساطة الديبلوماسية باعتبارها من الأطراف القليلة القادرة على التواصل مع مختلف الفاعلين.

ومن المهم هنا تصحيح زاوية النظر: فبقاء الدول في الحروب لا يُقاس بحجم اقتصادها، بل بقدرتها على الاستمرار في تمويل الواردات الحيوية. في هذا الميزان، تتفوّق دول الخليج بوضوح، ليس فقط لقوة اقتصاداتها الجارية، بل لامتلاكها احتياطيات مالية تمكّنها من شراء الزمن. أما إيران، فقدرتها هنا أضعف بكثير، مما يجعل عامل الزمن عنصر ضغط عليها أكثر مما هو أداة لصالحها. وفي سياق دولي منقسم، كما ظهر مؤخراً من جلسات مجلس الأمن الأخيرة، يتعزّز هامش المناورة الإيراني، حيث يحدّ غياب التوافق الدولي من إمكانية فرض استقرار دائم، ويتيح لطهران العمل ضمن بيئة تسمح بإدارة الأزمة بدل حلّها.

ازدواجية إيران

وفي هذا السياق، يقدّم وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف في مقالته الأخيرة في مجلة الشؤون الدولية (Foreign Affairs) قراءة لافتة تستحق التوقف عندها، إذ يدعو سلطته في إيران إلى تحويل ما يعتبره هو "نجاحا في الصمود" إلى مكسب سياسي عبر تسوية شاملة مع الولايات المتحدة، تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل: قيود نووية مقابل رفع العقوبات، واتفاق عدم اعتداء، وإعادة دمج إيران اقتصاديًا في النظام الدولي. غير أن اللافت في طرحه ليس ما يقوله فقط، بل ما هو مسكوت عنه: إذ يغيب الحديث عن "الدفاع المتقدم" وشبكة الحلفاء الإقليميين التي شكّلت جوهر الستراتيجية الإيرانية لعقود. وهذا الصمت يعكس محاولة لإعادة تقديم إيران بوصفها دولة قابلة للإدماج ضمن ترتيبات رسمية، لا قوة تعتمد على أدوات نفوذ عابرة للحدود. غير أن التطورات الأخيرة تكشف حدود هذا الطرح. فالمسار الجاري لا يتجه نحو تسوية شاملة بقدر ما يعكس إدارة مشروطة وموقتة للأزمة: إذ أُعلن عن وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية، ارتبط مباشرة بإعادة فتح مضيق هرمز وضمان مرور آمن فيه، في حين اشترطت طهران وقف الضربات الأميركية وضمان عدم تكرارها والتعويض عن الأضرار، مع تأكيدها في الوقت نفسه رفض أي تهدئة موقتة لا تقود إلى اتفاق دائم. وهذا التناقض يكشف أن ما يجري لا يرقى إلى تحوّل ستراتيجي في سلوك إيران، بل إلى إعادة تموضع يهدف إلى تثبيت مكاسب الصمود وإدارة التفاوض من موقع التعطيل، لا الخروج منه. وفي هذا الإطار، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن لإيران أن تنتقل من منطق "العمق الستراتيجي" إلى منطق "الأمن التعاوني" دون أن تفقد أحد أهم أدوات ردعها؟ أم أن هذه الازدواجية ستظل قائمة، حيث تُطرح التسويات بلغة الدولة، بينما يُحافَظ على أدوات النفوذ بلغة الشبكات، بما يعيد إنتاج المأزق نفسه بدل تجاوزه؟

أمام هذا التباين، يمكن تصور مسارين للمستقبل. الأول، توتر يتبعه احتواء تدريجي بحكم الجغرافيا التي تفرض التعايش. أما الثاني، وهو الأخطر، فهو انزلاق الخليج إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى. غير أن هذا الاحتمال، في مرحلته الراهنة، لا يزال يتجلّى أساسا في مستوى الاصطفاف السياسي أكثر منه في انتقال فعلي إلى صراع مباشر داخل الإقليم. غير أن هذا السيناريو ليس حتميًا. فدول الخليج، رغم تحالفها مع الولايات المتحدة، ترتبط أيضًا بشبكات مصالح واسعة مع قوى دولية أخرى، ما يمنحها هامشًا للمناورة: أن تكون وسيطًا لا ساحة، لاعبًا لا ميدانًا. وهنا تبرز خصوصية الكويت، حيث يمنحها تاريخها في الوساطة وسمعتها كفاعل متوازن قدرة على أداء دور ديبلوماسي يتجاوز حجمها النسبي.

منطق الأزمة

في النهاية، لا يكمن جوهر الأزمة في توازن القوة وحده، بل في طبيعة المنطق الذي تُدار من خلاله: صراع يُعاد إنتاجه عبر التهدئة الموقتة بدلًا من معالجته جذريًا. ما نشهده ليس تسوية، بل دورة متكررة من التوتر، تُغذّيها، في جوهرها، استراتيجية تقوم على نقل الأزمات إلى الخارج وتوسيع المجال الأمني على حساب استقرار الإقليم. ومن هنا، فإن أي مخرج حقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر إدارة التصعيد فقط، بل عبر مراجعة هذا المنطق نفسه الذي يجعل من الأمن مصدرا دائما لإنتاج عدم الاستقرار. وفي المقابل، تقدّم دول الخليج نموذجا مغايرا، يقوم، رغم التحديات، على تغليب الاستقرار والانخراط في الاقتصاد العالمي واستخدام أدوات الديبلوماسية بدل تصدير الأزمات، ما يمنحها ليس فقط قدرة على الصمود، بل أيضًا قدرة على التأثير في اتجاه الأزمة.

 


آخر الأخبار