في خضم التعقيد المتصاعد للمشهد الدولي، تبدو العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران وكأنها تتحرك ضمن مسار مزدوج، ظاهره ديبلوماسي، وباطنه صراع ارادات مفتوح على كل الاحتمالات.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل ابتلعت إيران الطُعم فعلاً، أم أنها تدرك أن ما يُعرض عليها ليس سوى استراحة محارب أميركية، تُخفي خلفها استعداداً لجولة أكثر عنفاً؟ إن الحديث عن رغبة الولايات المتحدة، بقيادة دونالد ترامب وجي دي في فانس، في الذهاب إلى طاولة المفاوضات لا يمكن فصله عن معادلة القوة التي حكمت السلوك الأميركي في السنوات الأخيرة. فواشنطن، التي استخدمت أدوات الضغط، العسكري والاقتصادي، بأقصى طاقتها، لم تتمكن من تحقيق هدفها المركزي: إخضاع إيران وإجبارها على الرضوخ لشروطها.
وعليه، فإن التحول نحو التفاوض قد لا يكون تعبيراً عن قناعة ديبلوماسية، بل عن ضرورة تكتيكية، فرضها عجز القوة الخشنة عن الحسم.
هذا التحول يفتح الباب أمام فرضية أكثر تعقيداً: إن الولايات المتحدة لا تبحث عن حل بقدر ما تبحث عن وقت، لإعادة ترتيب أوراقها، ترميم تحالفاتها، وإعادة تموضعها العسكري في المنطقة. إنها "استراحة محارب" بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث يتم استبدال الضربات المباشرة بمسار تفاوضي، قد يكون معداً للفشل سلفاً، تمهيداً لتبرير تصعيد أكبر لاحقاً.
وفي هذا السياق، يبرز ملف مضيق هرمز كأحد أهم أوراق الضغط الستراتيجية. فربط الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة بضمان عدم إغلاق المضيق، يضع إيران أمام معادلة معقدة: إما الالتزام بشروط تُقيد سيادتها الستراتيجية، أو المخاطرة بتحمل مسؤولية انهيار الاتفاق.
وهنا تكمن الحيلة؛ إذ يمكن لواشنطن، في حال فشل المفاوضات، أن تلقي باللائمة على طهران، مبررة أي تحرك عسكري مقبل باعتباره رداً على "تعنت" إيراني.
على الضفة الأخرى، لا يمكن تجاهل الدور الذي يؤديه بنيامين نتنياهو في تعقيد المشهد. فالضربة الواسعة التي وُجهت إلى لبنان، مقرونة بتصريحاته حول الرغبة في التفاوض، تعكس ستراتيجية مزدوجة تهدف إلى تفكيك الجبهات المحيطة بإيران. إنها محاولة لإضعاف شبكة النفوذ الإيراني عبر الضغط على حلفائها، ودفعهم إلى مسارات تفاوضية منفصلة، بما يؤدي في النهاية إلى عزل طهران ستراتيجياً. هذا التوازي بين الضغط العسكري والدعوات التفاوضية يثير تساؤلاً جوهرياً: هل نحن أمام خطة متكاملة لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، أم أن ما يجري هو مجرد رد فعل على ضغوط، داخلية وخارجية، تواجه الإدارة الأميركية؟
لا شك أن دونالد ترامب يواجه ضغوطاً سياسية هائلة، سواء من الداخل الأميركي أو من حلفائه الإقليميين. وهذه الضغوط قد تدفعه إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على تقديم تنازلات ظاهرية لإيران، مع إدراك مسبق بأن هذه التنازلات قد تكون "مذلة"، وغير مقبولة بالكامل من الجانب الإيراني. وهنا تكمن المفارقة: قبول هذه الشروط قد يُورط إيران، ورفضها قد يُستخدم ذريعة لتصعيد جديد.
إن هذا السيناريو، إذا ما تحقق، يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة، حيث يمكن أن تتحول المفاوضات إلى مجرد مقدمة لضربة كبرى، قد تتبعها عمليات عسكرية أوسع تهدف إلى تحقيق أهداف ستراتيجية طالما سعت إليها واشنطن: تقويض القدرات النووية الإيرانية، السيطرة على مسارات الطاقة، وإعادة رسم خريطة النفوذ في الخليج.
غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يخلو من المخاطر. فإيران ليست لاعباً يمكن استدراجه بسهولة، وهي تمتلك من أدوات الردع، ما يجعل أي مغامرة عسكرية ضدها محفوفة بتداعيات إقليمية ودولية واسعة. كما أن إغلاق مضيق هرمز، أو حتى التلويح بذلك، قد يشعل أزمة طاقة عالمية، لا يمكن التحكم بمآلاتها.
في المحصلة، يبدو أن ما يجري ليس مجرد مفاوضات تقليدية، بل لعبة شطرنج معقدة، تتحرك فيها القطع ببطء، لكن بثمن مرتفع. وبين من يرى في التفاوض فرصة للتهدئة، ومن يراه مجرد غطاء لإعادة إنتاج الصراع، تبقى الحقيقة معلقة بين نوايا معلنة، وحسابات خفية.
وهنا، يصبح السؤال الأهم: هل نحن أمام لحظة تسوية تاريخية، أم على أعتاب انفجار مؤجل؟.
كاتب عراقي