يعتقد المفاوض الإيراني أن العادة القديمة التي استُخدمت في المباحثات مع الأطراف الأخرى، يمكن أن تسلك حالياً مع المفاوض الأميركي، ويمكنه أن يحقق مبتغاه لمجرد إطالة أمد المفاوضات، لكنه يخطئ هذه المرة لأسباب عدة.
فمهما ادّعى أنه قادر على تغيير الوضع لمصلحته، إنما هو كمن يجمع الماء في الغربال، فالظروف الدولية الحالية متغيرة عما كانت عليه في القرن التاسع عشر، أكان في مفاوضاته مع الروس على جزيرة آشورادة، والتي استمرت نحو 200 عام، وكانت خلال سبع سنوات تُعقد يومياً، ولكن لم تصل إلى نتيجة، حتى جاء الاتحاد السوفياتي، وبعد ضجر قادته من طول المفاوضات، تركوا هذه الجزيرة الصغيرة للإيرانيين، لكن قبلها كان قادة الدولة القاجارية قد استسلموا للروس في الصراع على بحر قزوين، جراء هزيمتهم في الحرب.
الأمر نفسه سلكه الفرس مع العثمانيين في الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط، إذ استمرت حالة اللاحرب واللاسلم منذ العام 1514 حتى العام 1914، إلى حين اندلعت الحرب العالمية الأولى، وفي التاريخ تعتبر هذه المسألة من أطول النزاعات الحدودية التي استهلكت حبراً وورقاً وسفراء أكثر مما استهلكت رصاصاً في بعض فتراتها.
وكما أسلفنا، فإن الظروف الدولية متغيرة حالياً عما كانت عليه سابقاً، أولاً لأن الأوراق التي في يد طهران تكاد تكون كلها غير مجدية، فالقوة التي تتحكم في الصراع حالياً أكبر بكثير مما تملكه طهران، ولقد رأى العالم كمية الدمار التي حلت بعموم إيران.
ثانياً: إن المجتمع الدولي، ومنذ زمن، يرفض امتلاك النظام الحالي أسلحة نووية، لأن التجربة معه كانت دائماً تدل على استخدامه الإرهاب لتطويع الآخرين، ففي كل العواصم الأوروبية ثمة ذكرى دموية للإرهاب الإيراني، وهنا يمكن الإشارة إلى ما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب "لو أن إيران حازت سلاحاً نووياً لكان قادة العالم يقولون للإيراني يا سيدي".
ثالثاً: إن استخدام إيران مضيق هرمز كورقة ضغط على الولايات المتحدة، أضرت كثيراً بالاقتصاد العالمي، فهي كانت تحاول فرض رؤيتها ليس فقط على الولايات المتحدة، بل الضغط على العالم من أجل انصياع واشنطن لطهران، لكنها قوبلت بحصار بحري أميركي حرق ورقتها، واليوم بات قادة النظام يدركون كم أن هذا الأمر موجع لهم، خصوصاً أن لديهم تجربة ماثلة أمامهم، وهي فنزويلا، التي سقطت كبيت من ورق عند أول تحرك عسكري أميركي جدي.
لذا، مهما حاول النظام الحالي تجميل صورته، أو بالأحرى الخروج بمظهر القوي العنيد، أكان عبر ترويج الأكاذيب عن أنه لم يستخدم بعد كل قوته، وأنه دمر حاملة الطائرات ابراهام لنكولن، أو غيرها من القطع البحرية الأميركية، أو اللعب بتصريحات المعارضين للرئيس ترامب في الولايات المتحدة، فإن ذلك لن يغير من الموقف الأميركي الحازم، وليس فقط بشأن البرنامج النووي فقط، بل أيضاً بعدم العودة إلى تهديد الاقتصاد العالمي من بوابة مضيق هرمز، وكذلك الأذرع الإيرانية في الإقليم، وتهديد دول الخليج.
لذا، إن لعبة حائك السجاد الفارسي لم تعد تجدي نفعاً مع إدارة أميركية صعبة المراس لا يضيرها أي شيء في تحقيق هدفها، ولا مع المجتمع الدولي، لا سيما الدول الأوروبية التي وجدت نفسها بين سندان الإرهاب الإيراني، ومطرقة الضغط الاقتصادي، ما يعني أن أي جلسات مفاوضات مقبلة بين واشنطن وطهران في إسلام آباد أو في جنيف مآلها اعتراف إيران بالهزيمة، لأن الدولة أصبحت فاشلة، وهي بحاجة إلى نحو 25 سنة كي تستعيد عافيتها، وفي غضون ذلك يكون النظام قد سقط إلى غير رجعة.