الخميس 16 أبريل 2026
25°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
كيف يعيد الخليج رسم قواعد اللعبة؟
play icon
كل الآراء

كيف يعيد الخليج رسم قواعد اللعبة؟

Time
الأربعاء 15 أبريل 2026
يوسف راشد الهاجري

لم يعد المشهد الإقليمي يحتمل قراءة تقليدية، ولا التعامل معه بردود فعل موقتة. فالتصعيد الذي شهدته المنطقة في الآونة الأخيرة لم يكن حدثاً عابراً، بل هو امتداد لحالة سيولة ستراتيجية تعيد تشكيل موازين القوى، وتفرض على دول الخليج إعادة تعريف موقعها ودورها.

لقد أثبتت التجارب أن الاكتفاء بسياسة "الاحتواء" لم يعد كافياً، وإن الرهان على هدوء العواصف دون الاستعداد لصناعتها، أو توجيهها، لم يعد خياراً آمناً. فالعالم من حولنا يتغير بسرعة، ومن لا يمتلك زمام المبادرة، يجد نفسه، عاجلاً أو آجلاً، في موقع المتلقي للنتائج لا صانعها.

في مقالتنا السابقة "ما بعد هرمز: كيف يحمي الخليج نفسه"؟ كان الحديث منصباً على أدوات الحماية وسبل التحصين، وهي مرحلة ضرورية في ظل التهديدات المباشرة، لكن المرحلة الحالية تتطلب انتقالاً نوعياً... من مفهوم "الدفاع" إلى مفهوم "التأثير"، ومن منطق "ردّ الفعل" إلى ستراتيجية "الفعل".

إن أمن الخليج لم يعد مجرد مسألة عسكرية أو دفاعية، بل أصبح منظومة متكاملة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد، والإعلام والتكنولوجيا. ومن هذا المنطلق، فإن أولى الخطوات نحو إعادة رسم قواعد اللعبة تبدأ بتبني مفهوم الأمن الاستباقي، الذي لا يكتفي برصد التهديدات، بل يعمل على تعطيلها قبل أن تتشكل، من خلال تنسيق استخباراتي عالي المستوى، وتكامل دفاعي فعّال بين دول "مجلس التعاون".

كما أن توحيد القرار الخليجي في أوقات الأزمات لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة ستراتيجية. فالتحديات التي تواجه المنطقة عابرة للحدود، وأي استجابة مجزأة تفتح ثغرات يمكن استغلالها. إن الصوت الخليجي الموحد، حين يصدر في الوقت المناسب، قادر على فرض معادلات جديدة، لا الاكتفاء بالتكيف معها.

وفي سياق موازٍ، تبرز القوة الاقتصادية كأحدى أهم أدوات التأثير. فدول الخليج تمتلك من الموارد والإمكانات ما يؤهلها لأن تكون لاعباً محورياً في الاقتصاد العالمي، لا مجرد متأثر بتقلباته. استخدام هذه القوة بشكل ستراتيجي، سواء عبر تنويع الشراكات أو إعادة توجيه الاستثمارات، يمنح الخليج هامشاً أوسع في صناعة القرار الإقليمي والدولي.

ولا يقل أهمية عن ذلك، إدارة الفضاء الإعلامي بوعي ستراتيجي. فالحروب لم تعد تُخاض فقط في الميدان، بل في العقول والاتجاهات.

ومن هنا، فإن امتلاك رواية واضحة، وخطاب إعلامي موحد، يعد جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الشامل.

إن المرحلة المقبلة لا تحتمل التردد، ولا تسمح بالحياد السلبي. فإما أن يكون الخليج رقماً فاعلاً في معادلة التوازن، أو ساحة تتقاطع فيها مصالح الآخرين. والفرق بين الحالتين لا يكمن في حجم التحديات، بل في طبيعة القرار.

الخليج اليوم أمام فرصة تاريخية... ليس فقط لحماية نفسه، بل لإعادة تعريف دوره كركيزة استقرار، وقوة توازن، وصانع قرار. وهذه الفرصة، إن أُحسن استثمارها، ستنقل المنطقة من دائرة القلق إلى فضاء التأثير.

فالخطر الحقيقي لا يكمن في التهديدات، بل في الاكتفاء بردّ الفعل عليها.

محام وكاتب كويتي

آخر الأخبار