لم يعد الحديث عن وحدة دول "مجلس التعاون" الخليجي ترفاً سياسياً، ولا شعاراً يُرفع في المناسبات، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، وتحدياتها المتسارعة. فالمنطقة اليوم لا تعيش استقراراً تقليدياً، بل تمرّ بحالةٍ معقّدة من التداخل بين الحروب والمفاوضات، وبين التهدئة المؤقتة والتوتر المستمر.
جولاتٌ من التصعيد، تعقبها محاولات احتواء، ثم تعود الأمور إلى نقطة البداية… وكأن المشهد يُعاد إنتاجه بصيغ مختلفة.
وفي قلب هذا المشهد تتكرر الهجمات، بصواريخ ومسيرات، تستهدف أمن المنطقة واستقرارها، وتمتد آثارها لتطال دول "مجلس التعاون"، بل وتتجاوزها أحياناً لدول عربية شقيقة.
لكن ما يزيد المشهد تعقيداً، ليس فقط وقوع الهجمات، بل حالة النفي التي تتبعها، وتضارب الروايات، في وقتٍ تبحث فيه الشعوب
عن وضوحٍ يبدد القلق، وهنا، لا تكون المشكلة في الحدث فقط، بل في غياب الحسم، وتكرار المشهد.
إن ما يجري اليوم، ليس أحداثاً متفرقة، بل نمط متكرر من إدارة التوتر، لا إنهائه، مما يفرض واقعاً جديداً، تكون فيه الجاهزية، والتماسك، أولوية لا تقبل التأجيل.
ومن هذا المنطلق، تتأكد أهمية العمل الخليجي المشترك لا كخيارٍ سياسي، بل كمسارٍ ستراتيجي مهم، يضمن الاستقرار، ويعزز القدرة على مواجهة التحديات.
فدول "مجلس التعاون" متضامنة، تمتلك من المقومات ما يجعلها قوة أقليمية متماسكة، إذا ما توحدت الرؤية، وتكاملت الجهود، وتعزز التنسيق في مختلف المجالات.
ولعل التجربة الكويتية، بما عُرفت به من نهجٍ متوازن، ودورٍ فاعل في تقريب وجهات النظر، تُشكّل ركيزة مهمة في تعزيز العمل الخليجي المشترك، وترسيخ لغة الحوار دون التفريط في ثوابت
الأمن والاستقرار، وليس بعيداً عن ذلك، تظل العلاقات
السعودية- الكويتية نموذجاً متجذراً في الوعي الخليجي، علاقةٌ لم تُبنَ على المصالح الآنية، بل على تاريخٍ من الثقة، والمواقف، والتكامل في مواجهة التحديات.
فما يجمع الرياض والكويت أكبر من تنسيقٍ سياسي، إنه امتدادٌ لنهجٍ مشترك، يرى في استقرار الخليج مسؤولية جماعية، وفي أمنه خطاً لا يقبل المساومة.
وفي السياق ذاته تواصل المملكة العربية السعودية، بقيادةٍ حريصة على استقرار المنطقة، تحركاتها السياسية والديبلوماسية لبناء توازنٍ إقليمي، وتعزيز الشراكات، بما ينعكس إيجاباً على أمن
دول الخليج واستقراره.
إن المرحلة المقبلة لن تكون للاجتهادات الفردية، ولا للمعالجات الموقتة، بل للتكتلات القادرة، على حماية مصالحها، وصياغة مستقبلها بثقة واقتدار.
الوحدة الخليجية لم تعد فكرة قابلة للنقاش، ولا خياراً يمكن تأجيله، بل ضرورة تفرضها التحديات، وقدَرٌ يفرضه المستقبل، وفي عالمٍ لا يعترف إلا بالقوة، يبقى التماسك الخليجي، هو الضمان الحقيقي، بعد الله، لحماية الأوطان، وصون استقرار الشعوب.
وحين تلتقي الرياض والكويت، على الرؤية ذاتها، فإن الخليج بأكمله يمضي بثباتٍ نحو مستقبلٍ، أكثر آمانا، واستقرارا.
مستشار إعلامي سعودي