المنطقة اليوم لا تقف على أعتاب سلام شامل، لكنها أيضاً ليست ذاهبة إلى حرب مفتوحة بلا سقف، ما نراه هو مرحلة انتقالية، تتداخل فيها الضغوط العسكرية مع المسارات الديبلوماسية، في محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك.
السلام في الشرق الأوسط ليس مستحيلاً، لكنه ليس قريباً بالمعنى التقليدي، ما يمكن توقعه هو سلام بارد أو استقرار هش، تؤدي فيه التفاهمات الموقتة دور صمامات الأمان، دون معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات.
وفي هذا السياق، تمارس الدول الإقليمية الكبرى دوراً حاسماً في رسم ملامح المرحلة المقبلة، خصوصا إذا ما اتجهت إلى تغليب منطق المصالح الاقتصادية والتنموية، على حساب الصراعات الأيديولوجية.
نجاح المفاوضات، سواء في باكستان أو على الجبهة اللبنانية، سيبقى مرهوناً بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات حقيقية، وهو أمر لم تنضج شروطه بالكامل بعد، وحتى ذلك الحين، سيظل الاستقرار في المنطقة هدفاً مؤجلاً، يتقدم خطوة ويتراجع أخرى، في لعبة توازنات لا تعرف الثبات.
وتشهد منطقة الشرق الأوسط، وجوارها الإقليمي لحظة شديدة التعقيد، حيث تتقاطع مسارات التصعيد العسكري مع محاولات التهدئة السياسية، في مشهد يعكس صراع الإرادات بقدر ما يكشف حدود القوة، وفي قلب هذا المشهد، تبرز ثلاثة ملفات متشابكة: التوتر المرتبط بإيران، المفاوضات الجارية في باكستان، والمسار الحساس بين لبنان وإسرائيل.
لا يمكن قراءة أي تصعيد في المنطقة دون التوقف عند موقع إيران، التي باتت لاعباً محورياً في معادلات الأمن الإقليمي، فالتوترات المرتبطة بها، سواء بشكل مباشر أو عبر حلفائها، تعكس ستراتيجية تقوم على مزيج من الردع غير المباشر، وتوسيع النفوذ.
لكن في المقابل، تدرك طهران أن الاستمرار في التصعيد المفتوح يحمل كلفة عالية، اقتصادياً وسياسياً، لا سيما في ظل الضغوط الدولية والعقوبات، لذلك، فإن باب التفاوض يبقى مفتوحاً، وإن كان مشروطاً بتحقيق مكاسب تحفظ التوازن الداخلي للنظام، وتضمن له دوراً إقليمياً معترفاً به.
المسار التفاوضي الذي تستضيفه باكستان يكتسب أهمية خاصة، ليس فقط من حيث الأطراف المشاركة، بل من حيث طبيعة الدور الباكستاني ذاته، فإسلام آباد تحاول تقديم نفسها كوسيط قادر على بناء جسور بين أطراف متباعدة، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة نسبياً، غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في جمع الأطراف إلى الطاولة، بل في قدرتها على تقديم تنازلات متبادلة.
حتى اليوم، تبدو المفاوضات أقرب إلى "إدارة أزمة" منها إلى حل جذري، إذ يسعى كل طرف إلى كسب الوقت، وتحسين موقعه التفاوضي، أكثر من سعيه لإنهاء الصراع بشكل نهائي. على الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية، يتسم الوضع بدرجة عالية من الحساسية، فالتصعيد المتكرر يعكس توازن ردع دقيق، لكنه في الوقت ذاته قابل للانفجار في أي لحظة. المفاوضات غير المباشرة بين الطرفين، سواء عبر وسطاء دوليين أو قنوات خلفية، تتركز غالباً على احتواء التصعيد أكثر من حل جذور الخلاف، ومع ذلك، فإن وجود مصالح مشتركة، مثل تجنب حرب شاملة أو حماية البنية التحتية الحيوية، قد يدفع نحو تفاهمات محدودة، لكنها لا ترقى إلى مستوى سلام دائم.
النجاح الجزئي ممكن، أما الحل الشامل فلا يزال بعيداً، فالمشهد الإقليمي تحكمه عوامل معقدة، منها، تضارب المصالح بين القوى الإقليمية والدولية، غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، استخدام بعض الملفات كأوراق ضغط في صراعات أوسع، لذلك، فإن ما يمكن تحقيقه في المدى القريب هو خفض التصعيد، وليس إنهاء الصراع.
كاتب سعودي