في زمن تتزايد فيه الشكوك بين الناس، أصبح التوثيق وسيلة أساسية لحماية الحقوق وإثبات المواقف. لم يعد الأمر مقتصراً على المؤسسات الرسمية، أو العقود القانونية، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية بين الأزواج، الأصدقاء، وزملاء العمل. فغياب الثقة جعل الكثيرين يلجأون إلى حفظ الرسائل، والمحادثات، كنوع من الضمان ضد أي خلاف محتمل.
على سبيل المثال، في العلاقات الزوجية، نجد أن بعض الأزواج والزوجات يوثقون محادثاتهم، تحسباً لأي خلاف، أو طلاق محتمل، ليكون لديهم ما يدعم موقفهم أمام القضاء أو المجتمع. وبين الأصدقاء أصبح البعض يسجل التعليمات، ويحفظون الرسائل الرسمية، ويتجنبون الرسائل الصوتية خوفاً من شكوك محتملة وقلة أمانة المتلقي، وخوفاً من أن يُساء استخدام كلامهم، أو تحميلهم مسؤولية أخطاء لم يرتكبوها.التوثيق هنا يتحول إلى وسيلة دفاعية، لكنه في الوقت نفسه يعكس أزمة ثقة عميقة، هذا السلوك يترجم حالة من القلق وانعدام الاطمئنان في العلاقات، التي يفترض أن تبنى على الثقة والاحترام المتبادل.
وفي بيئة العمل، أصبح الموظفون أكثر حرصاً على توثيق كل صغيرة وكبيرة: رسائل البريد الإلكتروني، التعليمات، وحتى المحادثات الشفهية التي يتم تحويلها إلى مذكرات مكتوبة.
السبب وراء ذلك هو الخوف من "الغدر المهني"، إذ قد يُحمَّل الموظف مسؤولية خطأ لم يرتكبه، أو يُساء تفسير كلامه. التوثيق هنا يتحول إلى درع واقٍ يحمي الفرد من أي محاولة استغلال، أو ظلم.
لكن هذه الظاهرة، رغم أنها تمنح شعوراً بالأمان، تكشف عن أزمة عميقة في العلاقات الإنسانية. فالمجتمع الذي يكثر فيه التوثيق هو مجتمع فقد جزءاً من ثقته الطبيعية بين أفراده. بدلاً من أن تكون الكلمة كافية، وأصبح الأمن الاجتماعي فيه متزعزع، فأصبح لا بد من دليل مكتوب، أو تسجيل صوتي. وهذا يضعف الروابط الاجتماعية، ويحوّل العلاقات إلى معاملات رسمية، بعيداً عن الإخاء والتواصل الإيجابي. في النهاية، التوثيق ليس عيباً بحد ذاته، بل هو وسيلة لحماية الحقوق، لكن الاعتماد المفرط عليه يعكس خللاً في منظومة الثقة. المطلوب هو تحقيق التوازن: أن نوثق ما يستحق توثيقة، لكن في الوقت نفسه نسعى إلى إعادة بناء الثقة بين الناس، لأن الحياة بلا ثقة تتحول إلى ساحة صراع شك دائم، وهذا أثقل بكثير من أي ورقة أو تسجيل محفوظ.
كاتبة كويتية