الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
32°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الانتصار يبدأ من نقل المعركة إلى اقتصاد إيران
play icon
كل الآراء

الانتصار يبدأ من نقل المعركة إلى اقتصاد إيران

Add as Preferred Source on Google
Time
الأحد 19 أبريل 2026
صالح عبدالعزيز الجنفاوي

في لحظات التوتر الإقليمي، تتجه الأنظار تلقائياً إلى الجغرافيا بوصفها مسرح الصراع الأول. ومع كل تصعيد يطال مضيق هرمز، يتجدد السؤال التقليدي حول كيفية حماية هذا الممر الحيوي، وضمان استمرار تدفق الطاقة عبره؟

غير أن الاكتفاء بهذا السؤال، على أهميته، قد يقود إلى قراءة ناقصة للمشهد، إذ يختزل المواجهة في حدود المكان الذي تُفضل طهران أن تُخاض فيه.

فالمضيق، بطبيعته، يمنح إيران قدرة على التهديد والتعطيل، ويتيح لها توظيف الجغرافيا كورقة ضغط سريعة الأثر. غير أن الردع الحقيقي لا يتحقق بالضرورة داخل هذه المساحة الضيقة، بل يبدأ حين تُنقل المواجهة إلى مجالات أوسع، لا تملك إيران السيطرة عليها بالقدر ذاته.

هنا تحديداً تتبدل قواعد اللعبة، ويتحول ميزان القوة من رد فعل على التهديد إلى قدرة على تقويضه من أساسه.

إن استخدام الاقتصاد العالمي كأداة ردع يمثل خياراً أكثر عمقاً واستدامة، من الاكتفاء بالمواجهة المباشرة. فبدل أن تُعامل إيران بوصفها طرفاً قادراً على التحكم بإيقاع المضيق، يمكن إعادة تموضعها كفاعل اقتصادي عالي المخاطر، تتزايد كلفة التعامل معه، وتتعقد مساراته المالية والتجارية. عند هذه النقطة، لا يعود التهديد مجرد أداة ضغط، بل يتحول تدريجياً إلى عبء ينعكس على قدرة طهران على الحركة والاستمرار.

يتجسد هذا التحول عندما تصبح حركة الأموال المرتبطة بإيران خاضعة بشكل أكبر للرقابة والتقييد، وعندما ترتفع كلفة الشحن والتأمين، نتيجة المخاطر المتزايدة، وعندما تتراجع الثقة في البيئة التجارية المرتبطة بها، فيتردد الشركاء قبل الدخول في علاقات اقتصادية قد تجر تبعات قانونية أو تنظيمية.

كما يكتسب هذا النهج فاعلية أكبر مع تنامي البدائل اللوجستية التي تقلل من احتكار المضيق، ومع اتساع شبكة المصالح الاقتصادية الدولية التي تجعل أي تهديد له يتجاوز الإطار الإقليمي، إلى دوائر أوسع من التأثير.

وفي هذه الحالة، تتغير طبيعة المعادلة. فبدل أن يكون المضيق ورقة ابتزاز فعالة، يتحول إلى عامل ضغط يرتد على من يحاول توظيفه، إذ تتآكل جدوى التهديد، كلما ارتفعت كلفته الاقتصادية والسياسية.

وهذه المقاربة، رغم وجاهتها، لا تعني أن دول الخليج بمنأى عن التداعيات، فكل اضطراب في مضيق هرمز ينعكس بصورة مباشرة على اقتصادات المنطقة، لا سيما لدى الدول التي لا تمتلك مسارات بديلة كافية.

من هنا، فإن نجاح هذا النهج لا يقوم على الضغط الخارجي وحده، بل يتطلب في الوقت ذاته تعزيز الجاهزية الداخلية. فكلما توسعت الخيارات اللوجستية، وتعمق التنسيق الاقتصادي، وارتفعت كفاءة إدارة الأزمات، زادت القدرة على امتصاص الصدمات وتحويل التهديد إلى فرصة لإعادة التوازن.

وفي النهاية، لا تتعلق المسألة بتأمين ممر مائي فقط، بل بإعادة تعريف طبيعة المواجهة نفسها. فإذا كانت إيران تراهن على الجغرافيا كورقة قوة، فإن الرد الأجدى يكمن في سحب هذه الورقة من التداول، عبر نقل المعركة إلى حيث الكلفة الحقيقية. هناك، في الاقتصاد، تتبدل الأدوار، ويتحول التهديد من أداة ضغط إلى مصدر استنزاف، ومن نفوذ موقت إلى عبء مستمر.

كاتب كويتي

آخر الأخبار