بيروت ـ "السياسة" ـ من عمر البردان
وسط مخاوف من مساعي "حزب الله" لتخريب المحادثات مع إسرائيل، يخطو لبنان بثبات نحو استكمال خطوات التفاوض المباشر مع تل أبيب برعاية أميركية، حيث من المنتظر أن تعقد اليوم، جولة جديدة من المحادثات بين سفيري البلدين في العاصمة الأميركية واشنطن، بحضور وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو أو من يمثله، في محاولة لتثبيت التهدئة وفتح أفق سياسي بين الجانبين، وينتظر أن تساهم هذه الجولة في استمرار قنوات التواصل الديبلوماسي في إطار الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار والانطلاق نحو مسار سياسي بين الطرفين، حيث كانت الجولة الأولى التي عقدت الثلاثاء الماضي، بمشاركة السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر والسفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض، وُصفت بأنها "تمهيدية" لإطلاق مسار تفاوضي أوسع، وأعلن مكتب الرئيس اللبناني جوزاف عون أن الوفد اللبناني في الجولة المقبلة سيترأسه السفير اللبناني السابق لدى واشنطن سيمون كرم، في خطوة تعكس توجهًا لإعطاء المحادثات طابعًا سياسيًا وديبلوماسيًا متقدمًا.
وإذ أكد الرئيس عون أن خيار التفاوض يهدف إلى وقف الأعمال العدائية، وإنهاء الوجود الإسرائيلي في المناطق الجنوبية ونشر الجيش اللبناني حتى الحدود المعترف بها دوليًا، مشددًا على أن المسار يندرج ضمن السعي لتعزيز الاستقرار والسيادة، فقد أبلغ زوار الرئيس اللبناني "السياسة" أن الرئيس عون يضع في سلم أولوياته تأمين الدعم الداخلي والخارجي لخياره التفاوضي مع إسرائيل، باعتبار أنه الطريق الأفعل والأضمن لوقف الحرب على لبنان وإنهاء معاناة اللبنانيين من حروب الآخرين على أرضهم، وأشار زوار الرئيس عون إلى أن رئيس لبنان ملتزم بتحقيق المطالب التي دخل على أساسها المفاوضات مع إسرائيل، وفي مقدمها وقف الحرب، وانسحاب الاحتلال من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة، مؤكدين أن لبنان لا يمكن أن يقبل باستمرار التفاوض، إذا لم تتوقف الحرب نهائياً وتقر إسرائيل بانسحابها الكامل من الأراضي التي تحتلها. وهو ما سيؤكد عليه الوفد اللبناني في المفاوضات الفعلية التي ستبدأ في مرحلة لاحقة، في حين علمت "السياسة" أن لبنان طلب رسمياً من الولايات المتحدة الضغط على إسرائيل لتمديد الهدنة القائمة، وهو ما ستطالب به السفيرة اللبنانية في اجتماعها بالسفير الإسرائيلي، سيما وأن بيروت ترفض استمرار اللقاءات مع الجانب الإسرائيلي إذا تواصل العدوان على لبنان. وقد قام السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى بدور أساسي في التمهيد للجولة الثانية من المفاوضات، بسلسلة لقاءات عقدها في بيروت، في اطار المساعي الاميركية لتمديد هدنة وقف النار، والبحث في كيفية إلزام اسرائيل باحترامها، والكف عن تكرار تجربة اتفاق وقف اطلاق النار في العام 2024، اذا استمرت قوات جيش الاحتلال بالقصف واطلاق المسيرات والاغتيالات، فضلاً عن عمليات التفجير والاستهدافات على اختلافها.
وإذ عُلم في العاصمة اللبنانية أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يجري اتصالًا بنظيره اللبناني بعد الاجتماع التفاوضي الثاني، لتحديد زيارة الأخير إلى واشنطن، فإن أوساطاً رئاسية لبنانية أكدت لـ"السياسة" أن أي لقاء بين الرئيس عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي ليس مطروحاً إطلاقاً، انطلاقاً من حرص لبنان على أن يكون هدف المفاوضات الأول وقف إطلاق النار بشكل حتمي وكلي، وليس العمل على استمرار الهدنة ولو بشكل متقطع. وهذا ما سيعمل عليه الوفد اللبناني في الجولة الثانية المنتظرة". وفي حين حُسم تكليف السفير سيمون كرم رئاسة الوفد اللبناني الذي سيخوض المفاوضات المباشرة عند انطلاقها، فقد بات معلوماً أن مضمون الطرح اللبناني على طاولة المفاوضات، يستند إلى مبادرة رئيس الجمهورية المؤلفة من أربعة بنود يتمسك لبنان بها، وهي: التوصل إلى وقف مستدام لإطلاق النار، وانسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية، وعودة النازحين إلى قراهم، إلى جانب إطلاق مسار إعادة الإعمار، مع تأكيد واضح على فصل المسارات، بحيث تُعالج القضايا الداخلية ضمن الأطر الوطنية، والتي تتصل حتمًا بمسألة حصرية السلاح، التي تؤكد بيروت أنها ستُطرح ضمن طاولة حوار وطني بدعوة من الرئاسة الأولى.
لكن في المقابل، فإن تصاعد مواقف "حزب الله" الرافضة للمحادثات تثير القلق من مغبة ما يحضر له هذا الفريق، بدعم إيراني لم يعد خافياً على أحد، وإذا كان "حزب الله" قد أعلن أن قصفه إسرائيل أول أمس، جاء رداً على خرق جيشها للهدنة القائمة، فإن الخشية كبيرة لدى مصادر سياسية لبنانية، من أن يكون ما فعله "الحزب" يهدف أولاً وأخيراً لاستهداف جولة المفاوضات الثانية مع إسرائيل، في إطار سعيه العلني للإطاحة كلياً بهذه المفاوضات إذا أمكنه ذلك، وهو الذي هدد الرئيس اللبناني بأنه سيلاقي مصير الرئيس المصري الراحل أنور السادات، في حال إصراره على سلوك طريق المفاوضات. وهذا ما أثار ردات فعل غاضبة ومستنكرة، حملت "حزب الله" وحلفاءه مسؤولية ما قد يتعرض له الرئيس عون أو أي مسؤول لبناني آخر. ونقلت المصادر عن أجواء اللقاء الذي جمع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون برئيس الحكومة نواف سلام، أن باريس التي حملت "حزب الله" مسؤولية قتل أحد الجنود الفرنسيين العاملين ضمن إطار قوات "يونيفيل"، تخشى أن يستمر "الحزب" في محاولاته لتعريض الساحة اللبنانية للخطر، برفضه الاستجابة لمطالب السلطة اللبنانية ووضعه مصلحة إيران قبل مصلحة لبنان وشعبه، توازياً مع دعم فرنسي قوي لقرارات حكومة لبنان بحصرية السلاح.
وتأكيداً على أهمية الدور السعودي في دعم لبنان ومساندته في مطالبه، أجرى الرئيس اللبناني اتصالًا هاتفيًا بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، شكره خلاله على دعمه الشخصي ودعم السعودية للبنان، سيما في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها اللبنانيون، وخلال الاتصال، جدد ولي العهد السعودي دعم المملكة للبنان وللشعب اللبناني الشقيق والعمل على المساهمة في إنهاء معاناته، كما جرى عرض الأوضاع العامة في لبنان والمنطقة في ضوء التطورات الراهنة، وأبلغت الأوساط الرئاسية "السياسة" أن الرئيس عون يقدر عالياً ما تقوم به الرياض وعواصم دول مجلس التعاون الخليجي تجاه لبنان، لإخراجه من أزماته.