رندا محمد السيد في لحظة إبداع
موهبة شابة تستلهم الواقع والإنسان بفوتوغرافيا الألوان وانفعالات الحب والجمال
باح لها القلم بأسراره، فاستنطقته خواطرها على صفحات رؤاها وأفكارها، بلمسة فنان، ولمحة إنسان، سابحة بين شطآن الجمال، ناجته بصمت، وهي في مهاد الطفولة وأزاهير الصبا، ففاضت بإلهام الإبداع لوحاتها المسكونة بانفعالات المشاعر الانسانية وقيم الحب والحرية، تتهادى عبر فرشاتها والوانها في كل ميدان، فتغدو نصوصا بصرية وعبارات ناطقة، ببلاغة الوجدان، وتمتمات الروح.
تجاوزت سنها الصغيرة إلى فضاءات الفن، بأبجدية الألوان، وإيحاءات الظلال، إنها الموهبة الشابة، الفنانة المبدعة رندا محمد السيد، ابنة الأربعة عشر ربيعا، طالبة الصف الثاني الإعدادي بمدرسة بهنباي الإعدادية للبنات بمحافظة الشرقية ـ مصر.
عرفت الفنانة الموهوبة رندا محمد السيد ـ المولودة في دولة الكويت في ديسمبر من العام 2011 ـ طريقها الى الفن منذ الثامنة من عمرها، إذ اكتشف والداها أنها تميل كثيرا إلى شراء الأقلام الملونة بكل أنواعها من النوع الذي لا يستخدمه أقرانها في مثل هذه السن، وما إن تعود الى البيت حتى تبدأ في تقليد الصور الكارتونية والرسوم المصورة على صفحات المجلات بعناية ودقة، وشيئا فشيئا حتى، بدأت ترسم صور أفراد أسرتها، والدها ووالدتها وإخوتها، ومن ثم بدت مخيلتها تستدعي سيمائيات الواقع لتعيشه في رحلة فنية متتابعة المحطات عبر لوحاتها في مرسمها الخاص، وانطلقت عبر الزمان وتضاريس المكان في مشوارها الفني تعبر بإيحاءات الألوان، وترفرف بأجنحة إبداعها في كل بستان.
وتغلف الرمزية الموغلة في الانفعالات والمشاعر لوحاتها فتعكس المشاعر المتضاربة مع الحياة والناس، ففي لوحتها "رحيل مع الفن" تستظل رندا في لحظات الاستسلام والتهاية تحت جنح الطبيعة، تحت أوراق الشجرة وهي ممسكة فرشاتها المدلاة من يدها، لتؤكد رغم الألم، رغم الهلاك رغم النهايات، تبقى فرشاتي هي الصديقة الوفية التي أبثها مشاعري فتبوح بها على صفحاتي وتلازمني حتى النهاية، فتبكي دما حزنا على فراقي، ونلاحظ هنا أن جدلية اللون الأحمر"قطرات" الدم تتقاطع مع اللون الأخضر موحية بالتضاد والصراع بين الفناء والحياة.
وفي تعليقها على هذه اللوحة تقول رندا لـ"السياسة": أحب الفن أكثر مما حب بعض البشر، لطالما اعتبرت الفن صديق لن يرحل أبدا سيرافقني حتى النهاية ثم يرحل معي" وها أنذا أمسك فرشاتي حتى النهاية.
في لوحتها الثانية، "الرهينة" يبدو الصراع عنيفا بين النفس البشرية الطامحة للانطلاق والأمل والفكاك من قيود الحياة، إذ يرمز الشخص الصغير المسجون بزيه الأحمر في زاوية بعيدة من هذا الفك المفترس والمكبل بالسلاسل والحبال الى النفس أو الأمل المحاصر داخل قيود عدة، ومحاط بالخوف والأفكار السلبية ورغم أنه قابع داخل حيز داخلي أحمر يشبه القلب أو الرحم إلا أنه محاصر داخل فك مفترس ذي أسنان حادة وهو يرمز الى الافكار المدمرة والخوف والقلق، وتبدو الجذور المتشابكة والحبال تمتد لتغذي وتشد الفك المفترس ما يعني أن جذور هذا الصراع عميقة وأن السلاسل رغم أنها ذهبية الا أنها تزيد من أحكام قبضة الفك على الرهينة في محبسها البعيد ويبدو العنصر الأزرق في اللوحة كأنه محاولة خارجية للتدخل لانقاذ هذا السجين.
في اللوحة الثالثة "بلا قناع" تمثل هذه اللوحة تحولا كبيرا في النبرة الفنية مقارنة باللوحتين السابقتين، فالفنانة تظهر بوجهها بشكل جزئي خلف جناح الطائر " الببغاء" وهذا السيمائية توحي بأن الانسان والطبيعة كيان واحد، وتبدو نظرة العيون هادئة واثقة ومراقبة مما يعطي انطباعا بالحكمة أو امتلاك سر ما مرتبط بغموض الغابة، ونلحظ في اللوحة الانفجار اللوني لاسيما استخدام الببغاء "المكاو" بألوانه الصريحة الأحمر الأصفر والأزرق وهو في جانب آخر رمز للحرية بقدرته على الطيران في الفضاء ومحاكاة الأصوات وهو هنا يردد صوت الفنانة ورغبتها في الانطلاق كما نرى تدفق المياه كرمز للاستمرار وتجدد الحياة، والاصرار على اجتيازها رغم التحدي.
رندا محمد تجربة فنية، ناهضة لا تكتفي برصد الملامح، بل تجسد دقائق الصورة، فتبدو أمامك كأنها حقيقة لكنها، فوتغرافيا الألوان وتدفقات المشاعر التي صاغتها أناملها، فبدت انعكاسا لواقع اجتزأته مخيلتها من العالم الرحب، وترجمته بريشتها.
فازت الموهبة رندا بالمرتبة الأولى في مسابقة "لمحات من الشرقية" على مستوى المحافظة، كما نالت جائزة الطالبة المثالية، وحصدت العديد من الجوائز.
'ليلة النجوم'... بأنامل الفنانة