إلقاء القبض على أحد جزاري النظام السوري السابق أمجد يوسف، يؤكد التصميم على تحقيق العدالة في سورية الجديدة، كما أنه يعني أن الحكم الجديد يعمل بكل جهد على تحقيق الأمن والاستقرار من دون أي انتقامات، بل جعل البلاد عظيمة مجدداً.
إن هذا الشبيح لم يكن يعمل بمفرده، بل هناك شبكة لا تزال موجودة مستفيدة من كل النهب والسرقات والقتل طوال 50 عاماً، في ظل نظام كان يعمد إلى القمع الممنهج من أجل إخضاع شعبه، ولهذا فإن تحرير السوريين من الغمة التي جثمت على صدورهم طوال العقود الخمسة، وجعل هذه الدولة مجرد مزرعة، يحكمها الشبيحة، هو المسار الوحيد لدى حكومة دمشق، التي عليها إلا تتهاون في هذا الشأن.
لقد تحققت خطوات عدة في هذا المجال، وكانت مهمة، وتستحق شكر الرئيس السوري أحمد الشرع، والحكومة الجديدة التي تعمل على إحقاق الحقوق، ومحاسبة المخطئ، من دون هوادة، لكن ذلك لا بد أن يقترن بخطوات عدة لاكتمال الطريق نحو سورية جديدة.
لذا، إن ذلك يستدعي العمل على توقيف كل الذين أساؤوا إلى الشعب السوري، لا سيما من استغلوا قربهم من عصابات الشبيحة في ظلم الناس، وليس فقط في سورية، بل في دول الخليج العربية، وعموم العالم.
هؤلاء الذين استفادوا من شلل "الإنتربول" في سورية، أو استغلالها من النظام السابق بالعمل على توقيف المعارضين الشرفاء، أو ابتزاز رجال الأعمال الخليجيين، وارتكاب الجرائم في حقهم داخل البلاد، وتلفيق التهم، والاستيلاء على أموالهم وأصولهم عنوة، بمساعدة بعض أركان النظام.
إن العدالة الانتقالية التي تعمل على تحقيقها حكومة دمشق، لا بد أن تصل إلى أولئك، كي توضع الأمور في نصابها الصحيح، لأن عدم تخليص الناس من هؤلاء لا يخدم حركة الاستثمار، الخليجية والعربية، في سورية المحتاجة إلى كل جهد لإعادة البناء، وجعل الشعب يتنعم بمقدرات بلاده، ويخرج من نفق الأزمات المتتالية التي عاشها منذ 50 عاماً.
إن بعض هؤلاء اشتروا جنسيات من بعض الدول، وهربوا إليها عند سقوط النظام، كذلك كانوا يستفيدون من تراخي الأمن اللبناني في عهد الرئيس السابق، وعملوا على الاستقرار في لبنان، بفعل الرشاوى، والهدايا إلى بعض المسؤولين، لغض النظر عنهم، لكن مع العهد الجديد، وتشدد الرئيس جوزاف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، وجد هؤلاء أنفسهم مطاردين، لذلك فروا إلى بعض الدول الأفريقية.
إن إعادة هؤلاء إلى دمشق ومحاكمتهم ضرورة، والطلب من الإنتربول جلبهم، لا سيما أن الكثير منهم صدرت ضدهم ما يسمى "النشرة الحمراء" إلقاء القبض عليهم وتسليمهم إلى دولهم، لأن عدم تفعيل ذلك يفسَّر بـ"اللايقين" في جدية الحكومة الحالية في إحقاق الحق، ما يؤدي إلى الانكفاء عن مساعدة سورية خارجياً.
إذ إن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تصبح مساراً شاملاً يتحقق، إذا لم تكن هناك آلية واضحة لمعالجة إرث انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة التي ارتكبها نظام الأسد، وذلك يتحقق عبر كشف الحقيقة، ومحاسبة الجناة، وعدم تركهم يتمتعون بما سرقوه من الناس، فالإبادة ليست فقط في قتل الأنفس، بل أيضاً في سرقة حقوق الناس، وأموالهم، فهؤلاء عاثوا فساداً في الأرض.
أخيراً، نكرر الشكر إلى الرئيس السوري أحمد الشرع وحكومته والأمن الوطني، فقد "برّدوا كبد" السوريين، بإلقاء القبض على "جزار حي التضامن"، ونتطلع إلى إلقاء القبض على من سرقوا حقوق الناس، ورجال الأعمال الخليجيين حتى تكتمل العدالة.