المفاوضات بين واشنطن وطهران في الجولة الثانية فشلت، أو بالأحرى أن المفاوض الفارسي لا يريد الاعتراف بالهزيمة، لذلك يحاول المماطلة، وتسويف الوقت، لذا حين قلنا قبل فترة إن عادة الفرس التسويف في المباحثات، كنا نضع الإصبع على الجرح الذي لا يريد المفاوض الأميركي رؤيته، لاختلاف الثقافات، من جهة، ومن جهة أخرى إطالة الحصار على الموانئ الإيرانية، لعله يؤدي إلى انهيار النظام.
قبل أي أمر آخر، إن أكثر من يعرف الفارسي هو الخليجي خصوصاً، والعربي عموماً، فنحن نتعامل معه منذ آلاف السنين، وندرك أنه يحاول كسب الوقت بشتى الطرق، وعندما يهزم يخرج رافعاً راية الانتصار، حتى لو عمّ الخراب بلاده.
لهذا قلنا مرات عدة، ونكررها، إن الفارسي، لا سيما النظام الحالي، جعل كل هزائمه انتصارات، منذ إطاحة الشاه، مروراً بالحرب العراقية - الإيرانية، والعدوان الممنهج على دول الخليج عبر خلايا إرهابية، وتفجيرات، ومحاولات اغتيال، والاعتداء على الأراضي المقدسة في مكة والمدينة، من خلال دعمه العمليات الإرهابية للحوثيين على المملكة العربية السعودية، وصولاً إلى دعمه "حزب الله" الإرهابي الذي يمعن في تدمير لبنان، وكذلك تخريبه سورية، وغيرها الكثير من الأزمات التي تسبب بها في عموم العالم العربي.
أما في فلسطين، ولا سيما غزة، فتلك قصة ثانية، فلقد ورّط جماعة "حماس" بالهجوم في السابع من أكتوبر عام 2023، وفي اليوم الثاني غسل يده منها، رغم أن التنسيق كان على أشده بين قادة تلك الجماعة، وعلى رأسهم إسماعيل هنية، الذي يبدو أنه قتل في طهران بتنسيق مع قادة النظام!
اليوم، يتكرر المشهد في إسلام آباد، التي حاولت في الأيام القليلة الماضية أن تقرب وجهات النظر، لكن المفاوض الفارسي أفشل ذلك، بل إنه يضع العصي في الدواليب، لأن ليس لديه ما يقدمه، كما أن سيف الاحتجاج الشعبي مصلت على رقاب أركان النظام، لذا حالياً يعمل على الاستفادة من تسويف الوقت في مفاوضات يدرك الجميع في المنطقة، أنها لن تؤدي إلى أي مكان غير إبقاء حالة اللاحرب واللاسلم قائمة، وهذا أمر خطير جداً.
في الأيام القليلة الماضية خرق الإيراني الهدنة المعلنة عبر أذرعه العراقية التي شنت هجوماً على دولة الكويت، وكذلك من خلال الحملات الإعلامية على دول الخليج، وكانت الحجة الإيرانية في كل مرة، وجود قواعد أميركية في هذه الدول، علما أن عواصم الخليج أجرت اتصالات مع طهران قبل العمليات الحربية، وأعلنت حينها أنها لن تسمح للقوات الأميركية باستخدام تلك القواعد في الهجوم على إيران، لكن منذ اللحظات الأولى شن الحرس الثوري هجومه على الأماكن المدنية في تلك الدول، ما يعني أن النية كانت مبيتة ضد دولنا، وليست رد فعل على هجوم.
إن هذا ليس له غير تفسير واحد، وهو على دول الخليج العربية العمل على ستراتيجية جديدة مع إيران والعراق، لأنهما شريكان في العدوان، كذلك المطالبة بتعويضات منهما، وهو حق لا يمكن التنازل عنه، لأنه منصوص عنه في القانون الدولي، وهناك سابقات تاريخية، أكان مع ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وكذلك اليابان، وأيضاً الغزو العراقي للكويت.
عود على بدء، إن النهج الفارسي في تسويف الوقت يمكن وقفه بالعلاج النهائي، وهو الكي، وفرض عقوبات عليه وتعويضات، لأنه بغير ذلك سيبقى يؤرق المنطقة، ويثير الأزمات للعالم أجمع.