الأربعاء 29 أبريل 2026
24°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
سيرةٌ تُكتب في الغياب
play icon
كل الآراء

سيرةٌ تُكتب في الغياب

Time
الأربعاء 29 أبريل 2026
فاطمة ناصر المزيعل
مرايـا الروح

ليست السمعةُ ما يُقال عنا في حضرتنا، بل ما يتردد حين نغيب. هي ذلك الأثر الخفي الذي تمشي به أسماؤنا، قبل أن تطأ أقدامنا المكان، وذلك الانطباع الصامت الذي يفتح لنا القلوب… أو يوصدها دون استئذان.

ليست السمعة ثوباً نرتديه متى شئنا، ونخلعه متى مللنا، بل جلداً ثانياً يتشكل ببطء من تفاصيل أيامنا، من نظراتنا العابرة، ومن كلماتٍ قد نظنها لا تُؤبه لها، بينما تستقر في ذاكرة الآخرين طويلاً.

فمنذ البدايات الأولى للحكاية الإنسانية، اعتاد الناس أن يستدلّوا بالظاهر، إذ إنّ البواطن لا تُبصرها العيون.

وليس في ذلك قسوةٌ ولا جفاء، بل صفاءٌ يفرضه منطق الحكمة، وسُنّةٌ راسخة في طبيعة الإدراك البشري؛إذ لا يُدرَك الخفيّ إلا بآثاره، ولا يُستدلّ على الداخل إلا بما يفيض على السطح.

وفي عالمٍ يتنفس العجلة، لم تعد الأحكام تُصاغ على مهل، بل تولد غالباً في اللحظة الأولى، كشرارةٍ تلمع، ثم تتحول إلى قناعة. لذلك لم تكن الحكمة القديمة مبالِغة حين همست "لا تضع نفسك موضع الشبهات ثم تلوم من أساء الظن بك". لم تكن دعوةً إلى الارتهان لنظرات الناس، بل نداءً خافتاً إلى اليقظة؛ إلى أن يعيش الإنسان بوعي، وأن يعرف أن أفعاله رسائل، وأن كل رسالة- حتى لو لم يقصد إرسالها- ستصل إلى قارئٍ ما.

ومن هنا تبدأ المعضلة: قد يكون المرء شفيف الروح، لكنه يسير في دروبٍ يكثر فيها الالتباس، يمضي في مسالكَ يكثر فيها الغموض، أو يُقحم نفسَه في نقاشاتٍ تُربِك صورته، ثم يتعجب من غبار الشك الذي يعلق باسمه.

لذلك الصفاء الحقيقي لا يكتمل إلا حين يرافقه وضوح صادق، فليس كافياً أن تكون نقيَّ السريرة، فالنقاء وحده لا يحميك ما لم تُحِط وضوحك بسياجٍ يدرأ ظنون الآخرين عنك.

والعاقل لا يحرس داخله فقط، بل يحرس صورته أيضاً، لا رياءً ولا تصنعاً، بل إدراكاً بأن السمعة ليست قيداً على الذات، بل مرآة تعكسها للآخرين.

ليس الصدق وحده معيار الصفاء؛ فثمّة فرقٌ دقيق بين صدق القول، ونقاء السريرة وسلامة الطوّية.

الحِكمة أن تدرك أن الحرية ليست أن تفعل ما تشاء،أو تقول ما تشاء، بل أن تختار ما يصون قدرك.

السمعة الطيبة لا تُشترى، ولا تُصطنع بلمعانٍ موقت، بل تنمو كما تنمو الأشجار الباسقة- ببطء، في صمت، تضرب جذورها في تربة الأفعال الصادقة، وتعلو بفروعها من مواضع الخير.

هي حصيلة أن تكون الشخص ذاته في العلن والخفاء، حين يراك الناس وحين لا يراك أحد.

نعم قد لا يمكنك أن تُسكت ألسنة الناس جميعاً، لكن يمكنك أن تقلّل ما يدفعها للحديث. فاجعل حرصك على صورتك انعكاساً لصفاء داخلك، بل التزاماً بالقيم والمبادئ التي تؤمن بها.

حين يرحل الإنسان، لا يرافقه لقبٌ، ولا اسمٌ، ولا منصب، ولا مظهر بقدر ما يرافقه ذلك الذِّكر الخفيف الهادئ الذي يُختصر في قولهم: "كان طيّب الأثر".

فالسمعة، في نهاية الأمر، ظلُّ الروح على جدار العالم؛ قد لا نراه، لكنه يسبقنا حيثما ذهبنا.

كاتبة كويتية

آخر الأخبار