القارئ للنظام الأساسي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، يجد أن ما نص عليه البيان الختامي للقمة التشاورية التي عقدت في جدة، أول من أمس، موجود منذ العام 1980، وبالتالي ليست التوصيات جديدة، إنما متأخرة جداً، لأن المنطق يقول إن تلك الخطوات، من سكة حديد، والربط الكهرباء، والمائي، وكذلك إيجاد خط أنابيب نفطي مشترك، وتسريع منظومة الإنذار المبكر، وتكثيف التعاون العسكري، وغيرها الكثير من الخطوات الاقتصادية التكاملية، في صلب النظام الأساسي، لذا السؤال: لماذا تأخرت كل هذا الوقت؟
طوال 46 عاماً، كان لهذه الدول الوقت الكافي كي تعمل على التكامل في تلك المجالات، حتى حين تكون هناك اختلافات في وجهات النظر بين الأعضاء، لأن الهدف منها إيجاد مكاسب للشعوب، وبالتالي الاختلاف سياسي لا يمكنه إلغاء التنمية الشاملة، لأنه كلما كانت هناك نقاط إيجابية مشتركة زاد التعاون في المجالات الأخرى، وهذا الهدف الأسمى للمجلس.
إن المنظومة الخليجية في العقود الأربعة الماضية، ووفقاً للنقاط الإيجابية، أثبتت رسوخها، وأي تأخير في المشاريع التنموية المشتركة يعني الانكفاء خطوة إلى الوراء، وهذا يعني التعارض مع الموقف الستراتيجي الذي كان في الحرب الأخيرة ثابتاً في التصدي للعدوان الإيراني، وهو ما يمكن البناء عليه مستقبلاً، لا سيما أن هناك اليوم مستجدات عدة، لا يمكن نسيانها، بدءاً من إغلاق مضيق هرمز، وصولاً إلى الميليشيات الطائفية العميلة لإيران التي تمعن بالاعتداءات على بعض دول المجلس.
إن التهديدات، إذا خبت يوماً، لا يعني عدم وجودها، وعلى هذا الأساس، يجب على الحكومات ألا تنحيها جانباً في لحظات الهدوء، وتعيدها إلى الواجهة حين تكون هناك أحداث، كما حصل في الأسابيع الأخيرة.
هنا علينا التحدث بصراحة: إن التلكؤ طوال تلك العقود أدى إلى إرباكات كانت متوقعة منذ زمن، وهذه نقطة سلبية في عملية صنع القرار الإنمائي، الذي لا يحتاج إلى قمم للقادة، بقدر ما هو عمل يومي للوزراء، ورؤساء الوزراء، لأنه أمر تنفيذه واجب، كما ورد في النظام الأساسي للمجلس.
ففي الحرب الأخيرة وقع المحظور، وأقفلت إيران مضيق هرمز، ما أدى إلى تأثر الصناعات النفطية لدول المجلس، وكذلك كانت هناك إرباكات في سلاسل الإمداد الغذائية، وغيرها من المواد الضرورية، لذا فإن هذا الامتحان يجب أن يكون عاملاً مهماً في عملية السعي الحثيث إلى تنفيذ كل المشاريع المعلقة بين دول المجلس، بل أكثر من ذلك، العمل على تعزيز ستراتيجية الأمن القومي، العسكرية والأمنية، والصناعية، والغذائية.
إن لدول "مجلس التعاون" مزايا عدة يمكن التعويل عليها، فالمملكة العربية السعودية تطل على منافذ عدة برية وبحرية، ومساحتها تزيد على مليوني كيلومتر، كذلك دولة الإمارات العربية المتحدة لديها منافذ بحرية عدة، وسلطنة عُمان، وإذا كانت هناك جدية في استغلال هذه الميزات، فإن ذلك يخفف الكثير من حدة الصدمات، العسكرية والاقتصادية، ولقد أثبتت السعودية في الحرب الأخيرة قدرتها على تأمين سلاسل الإمداد لدول المجلس كلها.
هنا نقول: أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً، وهذا ينطبق على دول مجلس التعاون الخليجي اليوم، إذ عليها أن تبدأ بتنفيذ تلك البرامج فوراً، وألا تتأخر، جراء اختلافات في وجهات النظر، التي يمكن حلها بين الإخوة الأشقاء، فهم خضعوا لكثير من الاختبارات، ونجحوا فيها، بدءاً من تبعات الحرب العراقية- الإيرانية، وصولاً إلى الغزو العراقي للكويت، مروراً بالأحداث التي افتعلها الحوثي لهذه الدول، وصولاً إلى الحرب الأخيرة، فإن كل هذه الحصيلة يمكن البناء عليها.