في كل تصعيد إقليمي جديد، يعود السؤال ذاته: أين دور جامعة الدول العربية، وماذا قدمت منظمة التعاون الإسلامي؟
وماذا عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والاتحادات البرلمانية، والهيئات الحقوقية، والمنظمات الدولية المعنية؟
ورغم مشروعية هذا السؤال، فإن تحويله إلى محور النقاش الأساسي يترجم قصوراً في قراءة طبيعة الفعل السياسي. فالمنظمات، في جوهرها، ليست فاعلاً مستقلاً، بل إطار يجمع دولاً ذات أولويات متباينة، وحسابات سيادية معقدة.
لذلك، فإن التعويل الحصري عليها لإنتاج مواقف حاسمة يؤدي غالباً إلى إعادة إنتاج الإحباط ذاته في كل أزمة، ثم التعامل مع غياب الموقف المتوقع كأنه مفاجأة جديدة، أو مع صدور موقف أقل انسجاماً مع ما نتمناه كأنه استثناء غير مفهوم.
المشكلة ليست في وجود هذه المؤسسات، ولا في التقليل من أهميتها، بل في التعامل معها كأنها الطريق الوحيد للعمل المشترك. فحين نحصر الفعل السياسي داخل هذه الأطر، نضع أنفسنا في حالة انتظار دائم، بدل البحث عن تحالفات ومواقف أكثر مرونة وتأثيراً.
في المقابل، تكشف على سبيل المثال مواقف دول من أميركا اللاتينية، ودول أوروبية، مثل إسبانيا وإرلندا، أن الالتقاء حول القضايا العادلة لا يحتاج دائماً إلى إطار تنظيمي جامع، بقدر ما يحتاج إلى وضوح في القناعة، واستعداد لترجمتها إلى موقف. فالأجدى أحياناً أن يقف معك من يؤمن بالقضية فعلاً، لا من يجمعك به إطار شكلي، لا يملك إرادة التحرك. هذه النماذج لا تُطرح كبديل عن المؤسسات، بل كمؤشر على أن الفعل السياسي ممكن خارج القيود التقليدية.
من هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى تغيير طريقة التفكير. فالسؤال الأهم لم يعد: ما المنظمة التي تجمعنا؟
بل: من يشاركنا الرؤية نفسها، ومن هو مستعد لترجمتها إلى موقف عملي؟
ففي القضايا الكبرى، لا تكفي الأسماء الكبيرة، ولا الاجتماعات الرسمية، ولا حجم الوفود المشاركة، ولا البيانات الصادرة. ما يصنع التأثير الحقيقي هو الإرادة، والوضوح، والاستعداد لتحمل الكلفة.
لذلك، فإن التحالفات الأكثر فاعلية لا تُبنى على الهياكل وحدها، بل على التقاء صادق حول القضية، وقدرة حقيقية على التحرك من أجلها.
الخلاصة: أن المطلوب ليس تجاوز المؤسسات القائمة، بل تجاوز وهم كفايتها، والتوقف عن انتظار نتائج مختلفة من هياكل لم تتغير في إرادتها، أو إدارتها، أو طريقة عملها. فالمؤسسات لا تصنع الأثر لمجرد وجودها، ولا تتغير مخرجاتها، ما دامت آلياتها وحسابات الدول داخلها كما هي.
وحين تغيب الإرادة، لا تعوضها الهياكل؛ وحين تتوافر القناعة، يمكن أن تتشكل حولها مساحات فعل أكثر مرونة وتأثيرًا من أي إطار تقليدي.