ظهر في الآونة الأخيرة تزايداً ملحوظاً في المنازعات المرتبطة بالاعتمادات المستندية، وذلك في ظل التوسع في استخدامها، فهي تعد إحدى أهم وسائل التمويل التجارية، وتسوية الالتزامات التعاقدية بين الاطراف. ويستدعي تناول هذا النظام من منظور قانوني مبسط، يوضح طبيعته العلاقة بين الأطراف، وأهم الإشكاليات التي تثار بشأنه.
تكون الاعتمادات المستندية هي المفضلة في التعامل بين الأفراد والشركات، لما فيها من حفظ لمصلحة، وحقوق، جميع الأطراف نظراً لتنفيذها من خلال البنوك،التي تخضع لرقابة البنك المركزي. فهي نوع من التعهد والالتزام يصدر من البنك فاتح الاعتماد، بناء على طلب أحد العملاء، والذي يتعهد من خلاله البنك بسداد مبلغ محدد لصالح مستفيد يحدده العميل، وذلك بعد تسليمه المستندات المطابقة للشروط المتفق عليها، والتي تكون موضحة تفصيلاُ في الاعتماد، من حيث طريقة السداد، ومدة الدورة المستندية، وعدد نسخها، وصلاحية الاعتماد.
وتكمن الأهمية القانونية للاعتماد المستندي في كونه ينشئ علاقة مستقلة عن العلاقة الأصلية، التي صدر عنها، وهي علاقة ثلاثية بين كل من البنك والعميل والمستفيد من الاعتماد، إذ لا يجوز، كأصل عام، التمسك بالدفوع المستمدة من العلاقة الأصلية بين عميل البنك والمستفيد، لتعطيل تنفيذ الالتزام المصرفي، إلا في حالات استثنائية، مثل ثبوت الغش، أو التدليس الواضح في الغرض من الاعتماد المستندي.
إلا أن الاعتمادات المستندية، رغم الضمانات كافة المرتبطة بها، فهي لا تخلو من بعض المنازعات، والتي ينتج عنها عدم صرف المبالغ المستحقة، طبقا للاعتماد المستندي للمستفيد، ومنها، على سبيل المثال، لا الحصر النزاع حول مدى مطابقة المستندات لشروط الاعتماد، او الاختلاف في تفسير بنود الاعتماد، أو التأخير في تقديم المستندات، او الأخطاء الفنية في إعداد المستندات، او رفض السداد استناداً إلى مخالفات شكلية، مثل تقلبات أسعار الصرف، أو حالات الغش، او التزوير.
وقد استقر القضاء في العديد من الأحكام على التشدد في تطبيق مبدأ مطابقة المستندات بين كل من العميل والبنك والمستفيد من الاعتماد، لتعزيز استقرار المعاملات المصرفية وضمانها، إلا أن هذا التشدد قد يكون، في بعض الأحيان، سبباً في نشوء نزاعات تجارية، خصوصا في الحالات التي تكون فيها المخالفة شكلية، لا تمس جوهر العملية المصرفية.
وهنا تأتي أهمية التأكد، وفحص المستندات، ومدى مطابقتها لشروط الاعتماد، ونظام القواعد المصرفية المنظمة لها، والتحقق من مصداقية الأطراف، والتعامل مع جهات موثوقة، للحد من المخاطر المحتملة، وتفاديا لأي نزاع مستقبلا.
والذي يتطلب وعياً قانونياً دقيقاً، بما يكفل حماية الحقوق، واستقرار المعاملات إذ انه لا يعطي حماية مطلقة ضد مخاطر الغش، لذا يجب الحذر قبل طلب فتح اعتماد من البنك، والحصول على معلومات كافية ودقيقة عن المصدر، الذي سيتم فتح الاعتماد المستندي لصالحه.
فالاعتماد المستندي يظل من أكثر الضمانات المصرفية كفاءة في تحقيق الأمان التعاقدي، في مجال التجارة، سواء داخل البلاد او خارجها، لحفظ الحقوق لما تتميز به من عامل الأمان لجميع الأطراف.
لكن يوجد في الاعتمادات المستندية بعض المخاطر، يجب الانتباه اليها، منها على سبيل المثال لا الحصر:
تغير سعر صرف العملة بين بلد البائع والمشتري، عدم فهم آيات وإجراءات الاعتمادات المستندية، وكيفية تداولها لدى البعض، التي تتطلب توافر مهارات، وحرفية للمتعاملين بها، ودراسة شروطها جيدا، وكذلك مخاطر الغش، والخداع، والتزوير عند التعامل مع شركة غير معروفة.
فالاعتماد المستندي لا يعطي حماية مطلقة ضد مخاطر الغش، لذا يجب الحذر من قبل المشتري، والحصول على معلومات كافية عن المصدر الذي سيفتح الاعتماد لمصلحته.
ومع ذلك، فأنا أرى أن الاعتمادات المستندية تعد من أفضل العمليات في مجال التجارة الدولية، لحفظ حقوق جميع الأطراف لما تتميز به من عامل الأمان.
محامية كويتية