إنّ سحب تكليف نوري المالكي لا يُعدّ خطوة إجرائية بسيطة، بل قرار معقّد يحمل في طيّاته جملة من الإحراجات، والتداعيات السياسية، ويمكن تفسير ذلك باعتبارات عدة متشابكة، تتجاوز البعد الدستوري إلى عمق التوازنات، الداخلية والإقليمية.
أولاً، عامل الإحراج السياسي: فالإقدام على سحب التكليف يُفهم، ضمنياً، كاعتراف بفشل التوافق السياسي داخل القوى التي تبنّت هذا الترشيح.
وهذا الفشل لا يُقرأ فقط بوصفه إخفاقاً مرحلياً، بل قد يُترجم إلى تآكل في الثقة بين الأطراف، ما يجعل الجميع يتردد في اتخاذ خطوة قد تُفسَّر كتنازل أو انكسار. لذلك تميل القوى السياسية إلى إبقاء الأمور ضمن حالة "التعليق" بدل الحسم، في محاولة لشراء الوقت، وإعادة إنتاج التفاهمات.
ثانياً، مخاوف تفكك الإطار التنسيقي: إذ إنّ هذه الخطوة قد تُفسَّر كضربة داخلية للتوازنات الدقيقة، التي يقوم عليها هذا التحالف. فالإطار ليس كتلة صلبة، بقدر ما هو مظلة تجمع قوى متعددة، ذات رؤى ومصالح متفاوتة، وسحب التكليف من شخصية بحجم المالكي قد يفتح الباب أمام خلافات كامنة، أو صراعات مؤجلة. وفي بيئة سياسية هشّة، قد تتحول هذه الخلافات إلى انقسامات حقيقية تُضعف القدرة على اتخاذ القرار الجماعي.
ثالثاً، إشكالية الاتهام بالخضوع الخارجي: فالشخص أو الجهة التي تبادر إلى سحب التكليف قد تُتَّهم بأنها استجابت لضغوط دولية، وتحديداً من الولايات المتحدة الأميركية.
هذا الاتهام، في السياق العراقي، ليس تفصيلاً عابراً، بل يحمل كلفة سياسية وشعبية عالية، خصوصاً في ظل خطاب سياسي يقوم على رفض التدخلات الخارجية، والتأكيد على الاستقلالية. وعليه، فإن أي خطوة في هذا الاتجاه ستُوضع تحت مجهر الشارع، والقوى المنافسة، وقد تُستخدم كورقة للطعن في شرعية القرار.
وفي هذا السياق، تبرز الرسالة الأميركية الموجهة إلى الإطار التنسيقي، والتي مفادها "أنتم لستم حلفاء ولا شركاء"، بوصفها عنصر ضغط إضافيا، يعمّق من تعقيد المشهد.
فمثل هذه الرسائل، سواء أكانت مباشرة أم غير معلنة، تعكس تحوّلاً في طبيعة العلاقة، وتضع القوى السياسية أمام معادلة صعبة: إما التمسك بخياراتها الداخلية، وتحمل تبعات التوتر الخارجي، أوإعادة تموضعها بما ينسجم مع التوازنات الدولية، مع ما يحمله ذلك من اتهامات داخلية.
رابعاً، البعد المرتبط بالسيادة الوطنية: حيث يُنظر إلى قرار سحب التكليف على أنه اختبار حقيقي لاستقلالية الإرادة السياسية العراقية. فبين من يراه ضرورة داخلية لإعادة ترتيب المشهد السياسي، وتجاوز الانسداد، ومن يراه خضوعاً لإملاءات خارجية، تتشكل حالة من الاستقطاب تعكس أزمة أعمق تتعلق بتعريف السيادة نفسها: هل هي القدرة على اتخاذ القرار، بغضّ النظر عن الضغوط، أم القدرة على إدارة هذه الضغوط بما يحفظ الاستقرار؟
إنّ تعقيد هذه العوامل مجتمعة يجعل من "محنة التكليف" أكثر من مجرد أزمة ترشيح، بل مرآة تعكس طبيعة النظام السياسي القائم على التوازنات الدقيقة، والتسويات الموقتة. فكل قرار كبير لا يُقاس فقط بنتيجته المباشرة، بل بتداعياته على شبكة العلاقات، الداخلية والخارجية، وعلى قدرة النظام على الاستمرار، دون انزلاق نحو مزيد من الانقسام.
ومن هنا فإنّ الإشكالية لا تتعلق بشخص المالكي، بقدر ما ترتبط ببنية النظام السياسي ذاته، حيث تتداخل الاعتبارات الحزبية مع الضغوط الدولية، وتصبح السيادة مفهوماً إشكالياً يخضع للتأويل. وبين الإحراج الداخلي والضغط الخارجي، تبقى "محنة التكليف" اختباراً حقيقياً لمدى قدرة القوى السياسية العراقية على إنتاج قرار وطني مستقل، يحافظ على تماسكها، ويستجيب في الوقت ذاته لمتطلبات الواقع المعقّد.
كاتب عراقي