إنّ الظّروف الحالية، والحافلة بالقلق، قد فرضَت على أولياء الشّأن، في المنطقة، أن يُستحوذَ انتباهُهم لاستنباطِ أجوبةٍ عمّا يجري.
وأولياءُ الشّأن، كأمير دولة الكويت وحُكّام دول الخليج، يشكّلون، بوجدانهم الوطنيّ، صوتَ الجماعة، أي الرّابطة المتضمِّنة في أوّلياتها عُنصُرَي المسؤولية والوُجوب.
إنّ أمير الكويت وطنيٌّ يتماهى مع أرق النّاس، ويجعلُ اهتمامَه بهم رسالتَه، ما يؤكّد مفهوم المبدأ، والالتزام به. إنّ التزام صاحب السموّ بالمبادئ، ليس وظيفةً أكاديميّة، بقَدر ما يأخذ منحى النّضال بالموقف، فيتخطّى مقولةَ "أنا أفكّر"، ليعبرَ الى مقولة "أنا أمارس"، أي الى ناشطٍ فاعل في سيرورة الوطن نحو الأفضل والأرقى.
وكأنّ موقع الأمير في الجماعة هو الذي انتدبَه لتأدية هذا الدَّور الطّليعي في نصرة الحقّ، وسيادة الكرامة الوطنيّة.
إنّ الالتزام الوطنيّ الصّادق في شعاراته، دفعَ بأمير البلاد صوبَ معركةٍ متواصلة مع دورٍ لا يتغيّرُ في مسيرته، ما كَوَّنَ تماهياً بين ذاته الحرّة، وحركيّة الجماعة، فما من أحداثٍ تُعيقُ ديمومةَ ثباته في موقفه، وما من تهويلٍ أو تهديدٍ يجعلانه يحيدُ عمّا اعتنقه، وناضل من أجله، ولمّا يَزَل، أياً يكنِ البذلُ، ومهما تكنِ التّضحيات. إنّ الصّدقَ في الالتزام، هو اختيار الحُرّ، فالصّدقُ يجعلُ مَنْ يعتنقُه ضميرَ أهلِه، وهذا ينطبقُ، حتماً، على الرِّجال، وهكذا، سموّ أمير البلاد.
ليس غريباً أن نرى الكثيرين مِمَّن تبوَّأوا، ويتبوَّأون الحُكمَ، في أكثر من مكان، ليسوا إلّا مُمتَهِني العمل السياسي، يعيشون اهتزاز القِيَم في ذواتِهم. فهم يدّعون الالتزام، زُوراً، ويتقمّصون دَورَ الثَّبات في الموقف، وببراعةٍ تمثيليّة، ليوهموا الذين يتبعونهم بأنّهم لا يحيدون عمّا أطلقوا من شعاراتٍ طوال حياتِهم "النّضاليّة". والواقع، أنّ في جعبتهم، دائماً، جُملةً من التخرّصات التي تتناسبُ مع أيّ تبدّلٍ في المناخ السياسي.
لست، هنا، لأقيمَ مقارنة بين أمير دولة الكويت، وسواه من بعض حُكّام الدُّول وقيادِيّي الناس، في المنطقة القريبة والعالَم، فقيمتُه الوطنيّة أرقى، ودفاعُه عن كرامة وطنه أكثرُ اندفاعاً وجديّة، ومواقفُه تشتركُ بقاسمٍ واحد هو مصلحةُ البلدِ وكرامة شعبِه.
في حين تسودُ المنفعة الشخصيّة، والمردود النّفوذيّ، هدفَين رخيصَين عندَ الوصولِيّين، ودائماً، على حسابِ الكرامة. وقد أصبحَت هذه الحالُ، عند هؤلاء الدُّمى المصابين باللّا ثبات، فولكلوراً يستجدي التّصفيقَ، ودائماً، على أطلال الكرامة.
إنّ الولوجَ الى صميم الوطن، أي الكيان، والوجود، والهويّة، والسيادة، والدولة القادرة، يشكّلُ إيديولوجيا الحياة في الزّمان والمكان، يترجمها صاحبُ السموّ في وجدانِه حالةً تتحوّلُ، معه، الى تكامُلٍ عضويّ بين ذاته والأرض، أو تَرابُط جوهريّ متفاعِل بينهما.
هذه الصّورة، مع الأمير، إيمانيّة بامتياز، تَنضحُ منها مبادئ الكرامة، وقِيَمُ المواطنة، والإخلاص، والتي تُشهِرُ سرَّ الشّراكة في الأمسِ والغَد.
إنّ التّفسير البسيط لهذه المعادلة يكمنُ، تحديداً، في كلمة "كرامة". والكرامةُ، وحدَها، تمثّلُ حيثيّةً مصيريّة هي نموذجٌ شَراكِيٌّ كيانيٌّ، بمعنى أنّ الأرض تصبحُ امتداداً لذاتِ المُقيم فوقَها، ومحيطَ وجودِه الى الأبد. وكلّما كانت مؤونةُ الكرامةِ في ذات المُواطِنِ عزيزةً مُرَسَّخة، كلّما عَظُمَت، بذلك، عزَّةُ نفسِ الوطن.
إنّ الأحداثَ التي فُرِضَت على الكويت، رَشقاً موتوراً بالمسيّرات والصّواريخ، ما خلَّفَ أضراراً، وخوفاً، واشمئزازاً، قابلَها الأميرُ النَقِيُّ الرّوح، الصَّلبُ، بموقفٍ وطنيٍّ، نابعٍ من شجاعةٍ موصوفة، لأنّها ترتكزُ على أنّ مصباحَ الوطنِ لا يُضاء إلّا بزيتِ العنفوان والكرامة.
إنّ سموَّ الأمير، وهو الألصَقُ برغبات الترقّي، يتطلّعُ، دوماً، صوبَ الأَرحب، حضارةً ونمواً، ونُهوضاً، وازدهاراً ... وقد انتقلَ الأميرُ في مُعجَمِ الترقّي من مقطعٍ الى مقطع، وتصدّى لقضايا الكويت، فلم يكتفِ بالدَلِّ على مكامنِ الضّعفِ والنّزف، بل سارعَ الى الفِعل الذي يصونُ، وحدَه، البلاد.
ولعلَّ بُعْدَ النَّظر الذي يتميّزُ به الأمير، هو ما أسَّسَ الإطار الوطنيّ في مواقفه، خصوصاً في حَملِ مشعلِ النّهضة بسواعدِ الخير، وفي طَلَّةٍ على حضارات النّاس، ليمشيَ بها أشواطاً حقّقَت للبلاد ثروةً المعرفة، ونقلةً حضاريّةً نوعيّة.
إنّ مذهبَ الجرأة العنيدة في كيانِ الأمير، هو الذي اقتحمَ أملاكَ الشّياطين الذين اعتدَوا على أرضِ الكويت وشعبِها الآمِن. ولمّا كان في التّاريخ لحظاتٌ تُتَرجِمُ لدُهور، تتربَّعُ في جبينِها حكايا الكرامة، أكَّدَ الأميرُ على أنّه اللحظةُ التي ليست بحاجة الى أن يُثبِتَ الزّمنُ خلودَها في الآتي من الأيام.
كاتب واستاذ جامعي لبناني