حارس الكلمة الراقية والوريث الشرعي للطرب الأصيل
بحنجرة ذهبية تحمل دفء المشاعر الصادقة وحرارة الإحساس الحقيقي النابع من أعماق بعيدة في القلب والروح، كتب الفنان هاني شاكر، الذي رحل، أمس الأحد، فصلا أساسيا من فصول مجد الموسيقى العربية عبر موروث غنائي شكّل وجدان الأجيال على مدار خمسة عقود. لم يحمل لقب "أمير الغناء العربي" اعتباطا، فحين ينساب صوته إلى مسامعك، يعود بك الزمن إلى عصرٍ كانت فيه الأغنية رسالة، والكلمة نبضةً صادقة لا تعرف التكلّف، كأحد الحراس المخلصين على بوابة الطرب الأصيل، هو الوريث الشرعي لجيل العمالقة وزمن العظماء، حيث عاصر "العندليب" عبد الحليم حافظ و"كوكب الشرق" أم كلثوم و"موسيقار الأجيال" محمد عبد الوهاب، فتشرب منهم أسرار الإحساس، وحمل راية الفن الجميل من بعدهم.
ولد الفنان هاني عبد العزيز شاكر في 21 ديسمبر عام 1952 بالقاهرة، برزت موهبته الموسيقية منذ صغره، حيث تولت والدته دور "الوكيل" أو "مدير الأعمال" الفني في بداياته الأولى، متولية الإشراف على تدريبه ودعم مسيرته المهنية. وصدم الوسط الفني العربي امس الاحد برحيل الفنان هاني شاكر الذي دخل في غيبوبة منذ أشهر، واعلنت الفنانة نادية مصطفى المقربة منه من خلال حسابها على "فيسبوك" بأن رفيق دربها وصديقها رحل متأثراً بأزمة صحية طالته في الأسابيع الماضية، تاركاً إرثاً فنياً امتد لعقود، أمتع من خلال جمهوره ومحبيه من مصر والعالم العربي بأغان تنوعت ما بين الرومانسي والوطني والعاطفي، ففي أوائل شهر مارس، دخل هاني شاكر صاحب المشوار الطويل في الغناء العربي الاصيل في أزمة صحية دقيقة بعد خضوعه لجراحة كبرى في القولون، مما استدعى نقله إلى غرفة العناية المركزة بأحد المستشفيات الخاصة بمحافظة الجيزة، حيث تلقى الرعاية الطبية المكثفة وسط متابعة دقيقة من فريق علاجي متخصص، وقد أصدرت حينها نقابة المهن الموسيقية بيانًا عبر صفحتها الرسمية بمواقع التواصل الاجتماعي، أكدت فيه أن الحالة الصحية للفنان وُصفت بـ"الحرجة"، مطالبة جمهوره ومحبيه بالدعاء له بالشفاء العاجل، وموجهة رسالة طمأنة إلى أسرته في ظل هذه الظروف الصحية الصعبة. بعدها سافر الفنان إلى فرنسا استكمالاً لرحلة العلاج.
من جهتها، نعت نقابة المهن الموسيقية، برئاسة الفنان مصطفى كامل، ببالغ الحزن والأسى، وفاة الفنان الكبير هاني شاكر، الذي وافته المنية بعد مسيرة فنية حافلة بالعطاء والإنجازات، شكلت علامة فارقة في تاريخ الغناء العربي، ويتقدم الفنان مصطفى كامل نقيب المهن الموسيقية ومجلس النقابة وأعضاء الجمعية العمومية بخالص التعازي وصادق المواساة إلى الفنان هاني شاكر وأسرته الكريمة، داعين الله عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته وأن يُلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. وأكدت النقابة، في بيان، أن الراحل يُعد أحد أبرز رموز الفن في مصر والوطن العربي، حيث استطاع عبر عقود من الإبداع أن يحافظ على مكانته كأحد أهم الأصوات التي عبرت عن وجدان الجمهور، من خلال أعماله التي تميزت بالرقي والإحساس العالي.
وأضافت أن رحيل هاني شاكر يمثل خسارة كبيرة للساحة الفنية، وكان نموذجاً للفنان الملتزم صاحب الرسالة، الذي حافظ على القيم الفنية الأصيلة وقدم فنا راقيا يليق بتاريخ الموسيقى العربية، واختتم البيان بالتأكيد على أن إرث الفنان هاني شاكر سيظل حاضرًا في قلوب محبيه، وستبقى أعماله شاهدة على مسيرة فنية استثنائية لن تتكرر.
وبدأت رحلة هاني شاكر بشغف طفوليّ صقلته الدراسة لاحقا في ردهات كلية التربية الموسيقية في حي الزمالك بالقاهرة، ومن خلف ميكروفونات برامج الصغار مع "أبلة فضيلة" و"ماما سميحة"، تشكلت الملامح الأولى في مسيرة مدهشة لفنان لا يراهن إلا على الموهبة النادرة والالتزام. وقف بتواضع الكبار ضمن "كورال" عبد الحليم حافظ في أغنية "بالأحضان"، وكأنه ينهل من النبع قبل أن يفيض بنهره الخاص، حتى جاءت اللحظة الفارقة عام 1972؛ حين قدمه الموسيقار محمد الموجي في أغنية "حلوة يا دنيا".
وبحلول عام 1974، أطلق صيحته الأولى بألبوم "كده برضه يا قمر"، ليحجز لنفسه مقعداً ثابتاً في قلوب الجماهير.
أيقونة للشجن والرومانسية
خمسون عاما من العطاء، أثمرت حديقة متنوعة الأزهار تضم أكثر من 600 أغنية و30 ألبوماً، صاغها بالتعاون مع كبار المبدعين، ليبقى هاني شاكر "أميراً" على عرش الإحساس، وصوتاً لا يشيخ في ذاكرة الأجيال.
صنع المجد بأغانٍ صارت أيقونات للشجن والرومانسية، من أشهرها: "علّي الضحكاية"، "حكاية كل عاشق"، "يا ريتك معايا"، "الحلم الجميل"، "ولا كان بأمري"، وصولاً إلى أحدث ألبوماته الذي حمل عنوان "اليوم جميل" 2024، الذي أثبت فيه أنه قادر على التجدد، يتجدد دون أن يفقد أصالته. وبذكاءٍ لافت، عرف كيف يدير غيابه وحضوره؛ فلم يستهلك موهبته في طرحٍ سنوي باهت، بل راهن على التشويق من خلال التمهل في تقديم أعمال جديدة، متنقلاً بين استقلالية الإنتاج الخاص والتعاون مع كبار الصناع، ليظل دائماً في القمة. ولم يبخل بخبرته على الأجيال الصاعدة، فكان المعلم والناصح في لجان تحكيم برامج كبرى مثل "ذا فويس".
حزن يسكن القلب
وباعتباره حارساً أصيلا للكلمة الراقية والنغم الأصيل، تقلد منصب نقيب الموسيقيين المصريين عام 2015، ليخوض من خلاله معارك شرسة لحماية الذوق العام؛ ورغم العواصف والهجوم، ظل متمسكاً بمبادئه كمقاتل يرفض أن يسقط الطرب العربي في فخ الابتذال. خلف هذا البريق الفني، توارى قلب أثقلته الأوجاع، فقد كانت وفاة ابنته "دينا" عام 2011، الزلزال الذي هز روحه، ليترك في صوته رنة حزنٍ تسكن الوجدان، ويصبح الغناء ملاذه الأخير من حزن يسكن القلب.